الزواج التجريبي… علاقات تُلغى بضغطة زر
أميمة عبد العزيز زاهد
بعد أن تناولنا في الأسبوع الماضي كيف كانت الزواجات العصرية الشرارة الأولى للانحدار، نواصل اليوم رحلة التشوّه في مرحلتها الرقمية… حيث أصبح الزواج نفسه نسخة تجريبية تُختبر قبل الالتزام.
لم يعد مفهوم الزواج في زمننا محصورًا في الشراكة والمسؤولية، بل صار عند كثيرين تجربة قابلة للإلغاء، محاولة أولية تُختبر قبل اتخاذ القرار. وكأن العلاقة الأقدس لم تعد مشروع عمر، بل “نسخة تجريبية” تشبه التطبيقات التي يمكن حذفها بضغطة زرّ إذا لم تُعجب صاحبها.
لقد قادتنا الموجة الرقمية إلى مساحة ضبابية مشوشة، تداخلت فيها الصداقة بالارتباط، والاختبار بالالتزام، والحرية بالفوضى. فالعلاقة التي كانت تبدأ بخطوة رسمية يتخللها الوعي والنضج، أصبحت تبدأ اليوم بمحادثة عابرة، وتنتهي بجملة واحدة: تم الحظر.
وتحت شعارات براقـة مثل “التجربة أولًا” و“التوافق أهم من العقد”، ظهرت نماذج يسمونها زواجًا لكنها تخلو من كل أركان الميثاق: زواج إلكتروني عبر التطبيقات، زواج تجريبي محدد المدة لاختبار الانسجام، زواج شراكة سكنية يُبنى على تقاسم الإيجار لا على السكن والمودة.
وقد ساهم الإعلام في تعزيز هذا التشوّه؛ إذ قدم صورة براقة للحب السريع والارتباط الخفيف، فبات الالتزام عبئًا، والتضحية ضعفًا، وتحمل المسؤولية “موضة قديمة”. وصار نجاح العلاقة يُقاس بالإعجابات والتفاعل، لا بصدق النية وعمق الاحترام.
والأخطر أن كثيرين يدخلون هذه العلاقات ليس بدافع الحب أو الرغبة في بناء أسرة، بل هربًا من الوحدة أو ضغط المجتمع. لكن الزواج الذي يبدأ خوفًا لا يمنح أمانًا، والعلاقة التي تُعقد للهروب لا تصنع سندًا.
إن ما نحتاجه ليس صيغًا جديدة من العلاقات المؤقتة، بل عودة لأصل الزواج: عهد يقوم على الثقة والوعي لا على التجربة المؤقتة.
ومع أن العلاقات التجريبية أضعفت مفهوم الزواج، إلا أن الانحدار لم يتوقف هنا… بل وصل إلى مرحلة أخطر، حيث تحوّل الزواج نفسه إلى منتج مُعلّب وصفقة مؤقتة.
وهذا ما سنناقشه في الأسبوع القادم… حين نصل إلى سقوط الميثاق الأخير



