ثقافة وفن

القيم بين التفكيك والمرآوية: قراءة ثقافية في كتاب هزيمة الغرب

قراءة: ريما آل كلزي

تلعب القيم دوراً محوريا في بناء المجتمعات واستقرارها، فهي معايير أساسية تنظم السلوك الإنساني وتعبّر عن الهويّة الجماعية بما يتوافق مع التراث والعادات السائدة. كما تُعد جزءاً جوهرياً من النظام الرمزي للمجتمع، إذ توجّه أفراده وترسّخ بنيته الأساسية. لذلك، تشكّل القيم ضرورة حيوية لمواجهة تحولات الثقافة وصنع مستقبل مُستدام للأمم. ولا يمكن اعتبارها ترفاً فكرياً أو حضارياً، بل هي الركيزة التي تضمن استقرار المجتمعات وبقاءها عبر التاريخ.

 يوضح الفيلسوف والمحلل النفسي جاك لاكان في نظريته حول المرآوية (mirror stage) أن وعي الإنسان بذاته يتشكل من خلال انعكاسه في الآخر، تماماً كما ينظر في مرآة بمعنى أن الفرد لا يرى هويته إلا عبر صورة تُظهرها البيئة المحيطة، أي (النظام الرمزي) المحيط به، مثل العائلة، والقيم، والثقافة، واللغة. وهذا المفهوم لا ينطبق على الفرد فقط، بل يمتد إلى المجتمعات. فكما يحتاج الفرد إلى مرآة رمزية- وهي تعني أن وعي الإنسان وهويته يتشكلان من خلال انعكاسه في الآخر أو في النظام الرمزي المحيط به- لفهم ذاته، تحتاج المجتمعات أيضاً إلى مرآة رمزية من القيم والأخلاقيات تعكس هويتها الجماعية وتمنحها المعنى والاستمرارية.

يرى جاك لاكان أن الوعي الإنساني يتشكل من خلال المرآة الرمزية، وهذا يعني أن الهوية ليست مستقلة، ولكن عندما تنهار هذه المرآة الرمزية، تدخل المجتمعات في أزمة وجودية، إذ تفقد قدرتها على إدراك ذاتها بشكل متماسك، مما يؤدي إلى تفكك الروابط الاجتماعية وانحلال الهياكل الأساسية، مثل الأسرة والنظام الأخلاقي.

هذا الطرح يسلط الضوء على العلاقة العميقة بين القيم واستقرار المجتمعات، وهو ما تناقشه هذه المقالة من خلال قراءة في كتاب هزيمة الغرب للمفكر إيمانويل تود الذي يستعرض أزمة القيم في المجتمعات الغربية، وأثر التحولات الثقافية على الهوية الفردية والجماعية -الحضارية- الغربية.

في كتابه ” هزيمة الغرب” يشير المؤلف إيمانويل تود إلى أن المجتمعات الغربية تواجه جدلية وجودية بسبب فقدانها للقيم الدينية والأخلاقية التي كانت تشكل أساس استقرارها. ويناقش فكرة تآكل القيم في المجتمعات الغربية، الأمر الذي أدى إلى خلق أزمة هويّة حضارية، تفتح باب التساؤل حول العلاقة بين القيم واستمرارية المجتمعات الحديثة. فهل تكون القيم مجرد انعكاس لهوية المجتمعات أم أنها العنصر الأساسي الذي يضمن استقرارها وبقاءها؟ هل القيم الدينية وحدها كافية لاستمرارية المجتمعات أم هناك عوامل أخرى مثل (الاقتصاد، والسياسة، والعلم) تلعب دوراً أكبر؟ وما الذي يحدث عندما تنهار هذه القيم الأخلاقية والدينية وتصل إلى مرحلة الصفر فتفقد مرآتها الرمزية؟

يبدأ الكاتب مقدمة كتابه بعشرة مفاجآت ما يهمنا منها هنا، المفاجأة التاسعة والعاشرة (ص15،16) التي تتمحور حول وصول الغرب إلى العزلة الأيدلوجية، و”جهله بموقعه من عزلته في هذا العالم”[1]، ثم فشله في فرض هيمنته السياسية مما أضعفت نفوذه عالمياً، وقد أصبح في موقف دفاعي أكثر من أي وقت مضى.

اعتاد الغرب أن يسنّ القيم الواجب على العالم أجمع الالتزام بها، حتى أنّ منظماته وجمعياته الأخلاقية والإنسانية لم تغفل حتى الحيوان، وبدأ نهضته من خلالها، لكن القيم ليست شعارات فقط، بل ترتبط بمنظومة دينية تنظمها، فيقول تود:” إنها هزيمة الغرب(…) غير أن هذه الهزيمة يقين، لأن الغرب يتدمّر ذاتياً”[2]. والسؤال الذي يطرح نفسه، لماذا يُدمّر الغرب ذاتياً؟

وفقاً لنظرية جاك لاكان تبدأ مناقشة هذا السؤال منذ العتبة الأولى في عتبات التحرر التي كان ينادي بها الغرب، والتي شكلت هوية الأفراد والجماعات من خلال انعكاسهم في ” المرآة الرمزية” التي تضم الدين والقيم والنظم الاجتماعية. عندما تنهار هذه المرآة تفقد المجتمعات قدرتها على إدراك ذاتها بشكل متماسك، مما يشكل أزمة هوية شاملة. وهنا أشار إيمانويل تود إلى فكرة” الخواء الديني” ص 25، وتلاشي الأخلاقيات والشعور الجماعي، وأنهما أبرز أسباب الانحلال الذي انعكس أثره الأول على الأسرة، حيث فقد الدين دوره كمصدر للمعنى والارتباط الجمعي، مما أدى إلى تفكك البنية الرمزية التي كانت تشكل استمرارية المجتمع، فتحولت الأسرة إلى نموذج فردي، تراجعت فيه العلاقات بين الأبناء والآباء والأجداد (العائلة الممتدة)، وأحياناً انعدام الأب بصورة كاملة، مما أدّى إلى خلق جيل من الشباب منعزل اجتماعياً يغيب لديه الدعم الأسري، فساهم في تآكل الروابط الاجتماعية، حيث لا أقارب يلعبون دوراً محورياً في حياتهم لبناء القيم ونقل الحكمة والعاطفة، وهذا ما أدى إلى خلق أزمات أخلاقية واجتماعية لها الدور الأكبر في انهيار القيم، وحرمت المجتمعات من قدرتها على تقديم صورة واضحة ومتماسكة تصف نفسها للآخرين.

في سياق “ما بعد الإمبراطورية” كما يصف المؤلف، عانت الولايات المتحدة من فقدان القيم الأساسية التي كانت تشكل هويتها، مما جعلها تدخل في مرحلة الانحلال والارتباك، حيث لم تعد تمتلك مرآة رمزية تمنحها معنى وجودياً، وما كان يُعد قاعدة للنهوض (القيم الأخلاقية والدينية) تحول إلى مصدر ضعف وتفكك، ثم الانهيار حسب الكاتب.

يؤكد فكرته هذه في الفصل الرابع الذي يحمل عنوان ما الغرب؟ فيقول: ” في أصل النمو الغربي، لا نجد السوق والصناعة والتقنية بل نجد ديناً مخصوصاً هو البروتستانتية”[3] ويقصد ماكس فيبر الذي أعطى لدين مارتن لوثر وكالفن مكانة منبع ما بدا في زمن تفوق الغرب، حسب وصفه، بعد أكثر من قرن من نشر كتاب (الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية) في عامي 1904، 1905 ثم أشار أنه بمقدورهم تجاوز فيبر بطريقة جديدة فيقول:” فإذا كانت البروتستانتية فعلاً كما يؤكد فيبر هي رحم نهوض الغرب، فإن موتها اليوم هو سبب تفتت هذا الغرب، وبلا زخرفة، سبب هزيمته”.[4]

في المقابل هناك صورة غير قابلة للانعكاس وهي التراتبية الاجتماعية الهرمية التي أدت إلى نسف معتقدات وقوى جماعية بالوقوف على تذرية المجتمع وتشظي الهويات كظاهرة تطال المستويات كافة، فيقول المؤلف:” حين نتأمل في مصير المجتمعات، وفي مسار أفولها أولاً، إذ تميل العدمية بصورة لا تقاوم إلى تدمير مفهوم الحقيقة نفسه(…) فيعرّفها بكونها لا أخلاقية تنبع من غياب القيم.)[5]

ثمّ يتابع مقارنة أوكرانيا التي تمثل الولايات المتحدة بثبات روسيا، ويعزو الأسباب إلى أمور عديدة، منها ارتباط الأسرة الروسية بمنظومة الأخلاق عبر السلطة الأبوية، فالأسرة في روسيا أبوية النسب، بينما يقول:” ثقافة أوكرانيا منحازة إلى الديمقراطية الليبرالية”[6]، ثم يضيف موضوعات أخرى منها تأجير الأرحام في أوكرانيا لأغراض ربحية وإنجاب أطفال لأسر غربية.

الفكرة المطروحة عامة تشمل المجتمعات وليس فقط الإنسان، فكما يحتاج الفرد إلى مرآة لتكوين هويته، تحتاج المجتمعات إلى قيم ومبادئ تعكس صورتها لنفسها وللعالم من حولها لضمان استمراريتها، ويظهر أن القيم الأخلاقية والدينية التي كانت تشكّل الأساس للنهضة الغربية مثل (البروتستانتية وأخلاقيات العمل) قد تعرضت للتفكيك والانهيار بمرور الوقت. في المقابل، مازالت المجتمعات الإسلامية والعربية متمسكة ببعض منظوماتها القيمية التقليدية، ومنها برّ الوالدين وصلة الأرحام، مما يمنحها حصانة نسبية، فالغرب الذي كان يُنظر إليه كنموذج للعقلانية والتقدم الأخلاقي أصبح يعاني من تفكك القيم التي كانت تشكّل أساس استقراره. أما مجتمعاتنا التي ربما كانت تُعتبر أقل تطوراً اقتصادياً وتقنياً، مازالت إلى الآن تعكس استمرارية القيم الأخلاقية التي فقدها الغرب.

حسب لاكان المرآوية هنا، الحاضر في مجتمعاتنا العربية والإسلامية يعكس الماضي الغربي، بقيمه الأخلاقية والتقاليد الأسرية التي كانت مصدر قوة لنهضة الغرب، كما أنها الآن مصدر قوة لنا، ولكن إذا لم نحافظ على هذه القيم، فإن مستقبلها قد يعكس الحاضر الغربي وما يعانيه من أزمات قيَمية. فنجد تحليل المؤلف في ذات الإطار حين يقول:” يقع الدين، أو بالأحرى تفتّته، في صلب هذا النموذج، كانت المسيحية هي المصفوفة الدينية لمعتقداتنا الجماعية اللاحقة كافة (…) أما في أمريكا، فهيكلت الديانة البروتستانتية الحياة الاجتماعية بتفاعلية مع الشعور العرقي.”[7]

لخص المؤلف الحالة الدينية بمرورها في ثلاثة مراحل بعد نشاطها، تبدأ أولاً بالهشاشة والانحسار كمرحلة أولى صورها بتراجع ممارسات الطقوس الدينية وضم كهنة جدد، بدورها أدت به إلى مرحلة ” الزومبي للدنيوَة” حيث تلاشت معها القيم وسُنن الدين، وبدأت المعتقدات الجديدة بالظهور ورفع شعارات التمرد باسم التحرر، فظهر ” الخواء الديني المطلق” مع أفراد محرومين من أي معتقد جماعي بديل، “إنها الحالة صفر للدين” [8].

يربط المؤلف هذه الأفكار بذكاء وخبرة عالم الاجتماع الذي تنبأ بسقوط الاتحاد السوفياتي في العام 1976، فيعود لفكرته الأساسية ويقول:” في هذه اللحظة تتفتت الدولة- الأمة وتنتصر الكوكبية” فيتضاءل الفرد بدلاً من أن يكبر في الخواء.”[9] من هنا يتولد سؤال مرآوي أكبر، كيف تكون الحالة صفر لدين ما، وما هو الحل؟ يقول المؤلف: “الحالة صفر للدين تعني أن القيم والأخلاق لم تعُد ذات أهمية، والمساحة الاجتماعية التي كان يشغلها هذا الدين في السابق تضمن أن الحالة صفر تؤثر في مجالات لا حصر لها، تبدأ بالسلوكيات الأسرية والجنسية، وتصل إلى الفن، كما تنتهي في العلاقة بالمال”[10].

تبدأ سلسة الانهيارات من تغير النظرة إلى الملابس، والسلوكيات الأخلاقية، حين تتحول الحرية الفردية إلى معيار يفكك القيم الجماعية. ” إن واحدة من أهم الإدراكات الواهمة للستينيات بين الثورة الجنسية- الأنجلو أمريكية وأيار/ 68 الفرنسية، كانت الاعتقاد بأن الفرد سيكون عظيماً بمجرد انعتاقه من المجموع. غير أن الأمر على النقيض تماماً، فلا يمكن للفرد أن يكون كذلك سوى في إطار جماعة، ومن خلالها.”[11] وقد أكد ابن خلدون ذلك، حيث قال في مقدمته:” في أن الاجتماع الإنساني ضروري. ويعبر الحكماء عن هذا بقولهم: (الإنسان مدني بالطبع)”[12] بمعنى أن اجتماع البشر ضروري لتأمين احتياجاتهم الأساسية مثل الغذاء والحماية، وأن التعاون هو أساس لبناء الحضارة. فلا يتطور الإنسان إلا داخل مجتمعه، وقد أشار إلى ذلك أيضا جان جاك روسو في كتابه ” العقد الاجتماعي”. عندما يكون الإنسان وحيداً تحكمه طبيعته بالانكماش، و”الآن وقد تحررنا جميعاً من المعتقدات الميتافيزيقية التأسيسية والمشتقة (…) فنحن نختبر تجربة الخواء، ونصغر. نصير جمهرة أقزام يحاكون، وما عادوا قادرين على التفكير بأنفسهم” [13].

في النهاية، ينبه الكاتب أن القيم واحدة من أهم عوامل بناء المجتمعات واستقرارها عبر التاريخ. ويحذر بشدة من العزلة والفردانية إذ يوجه بضرورة الانخراط في الجماعة، حيث المعتقدات الجماعية لا تكتفي بتنظيم الأفكار والعلاقات، ولكنها” تُسهم في تحولاتهم الفكرية من خلال غرس قواعد أخلاقية سلّم بها الآخرون”[14]ومع تفاقم تأثير العولمة وتراجع القيم التقليدية، تبرز مخاوف حقيقية من أن تنقل العولمة النزعات الفردية إلى مجتمعاتنا، مما يهدّد الهوية الجماعية، ويُضعف الروابط التي تجمع الأفراد. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل يمكن للمجتمعات أن تحافظ على استمراريتها دون قيم متماسكة تمنحها القوة والهوية؟ على الرغم من أن مجتمعاتنا مازالت تحتفظ بمنظومة قيم متماسكة إلى حد كبير، إلا أن التغييرات السلبية قد تؤدي إلى تفكك تدريجي لهذه المنظومة، ما لم يصاحبها وعي عميق بأهمية القيم ودورها في حماية الهوية.

  إن الغرب اليوم يقدم لنا صورة واضحة لما يمكن أن يحدث عندما تضعف القيم ولا يتم تعزيزها. فقد كانت القيم التي نهض عليها الغرب مثل (الدين البروتستانتي، الأسرة، العمل) مصدر قوته وازدهاره، لكنها أصبحت الآن مجرد ذكريات عابرة. هذا التراجع أدى إلى أزمة وجودية تهدد مستقبل الغرب، كما يشير مؤلف الكتاب، وهو تحذير لكل الحضارات من أن تفكيك القيم عملية تدريجية تبدأ بإضعاف الروابط الاجتماعية، وتنتهي بتآكل أسس المجتمع نفسه.  إن تعزيز القيم ضرورة لضمان استمرارية هويتنا وثقافتنا في مواجهة التحديات العالمية.

فهل يمكننا تحويل قيمنا إلى مصدر قوة دائم؟ أم أننا سنعكس التجربة الغربية ونواجه مصيرًا مشابهًا؟

……………………..

[1] إيمانويل تود: هزيمة الغرب، دار الساقي، لندن،، طبعة 2025، ص:15

[2] نفس المصدر، ص 16.

[3] نفس المصدر، هزيمة الغرب، ص 115

[4] نفس المصدر، هزيمة الغرب، ص 115

[5] نفس المصدر، ص (26،27)

[6] نفس المصدر، ص 63

[7] نفس المصدر: ص 126، 127

[8] نفس المصدر: ص 127

[9] نفس المصدر، هزيمة الغرب، ص 127

[10] نفس المصدر، هزيمة الغرب، ص128

[11] نفس المصدر، هزيمة الغرب، ص129

[12] ابن خلدون عبد الرحمن، مقدمة ابن خلدون، المكتبة العصرية للطباعة والنشر، بيروت، 2003، ص 46.

[13] نفس المصدر، هزيمة الغرب، ص129، 130

[14] نفس المصدر، ص 183

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com