ثقافة وفن

تطريز على ثوب الغياب..

هيفاء علي نورالدين

هيفاء علي نورالدين

قصة قصيرة

لم يكن “صندوق الدنيا” الخشبي القابع في زاوية الغرفة مجرد وعاء للملابس القديمة، بل كان بالنسبة إلى للاّ خديجة زجاجةَ عطرٍ معتّقة؛ كلما رفعت غطاءها، انبعثت منها رائحة أعوامٍ مضت ولم تعد.
في ذلك الصباح الطرابلسي، حين كانت الشمس تداعب الياسمينة المتدلية في فناء البيت، قررت خديجة أن تُخرج الرداء العربي الذي ارتدته ليلة حنّتها. كان رداءً من حريرٍ منسوجٍ يدوياً، أكل الزمن بعض أطرافه بفعل الرطوبة، غير أنّ الوقار ظلّ مقيماً في نسيجه.

جلست خديجة على مقعدٍ خشبي منخفض، تمسك إبرتها الرفيعة وخيوط الفتول الفضية. كانت عيناها، وقد غشّاهما بياضٌ خفيف، تتحسسان مسام القماش كما لو كان جسداً حيّاً. ومع أول غرزة، انزاح جدار الزمن، فرأت نفسها صبيةً تركض في الأزقة القديمة، حيث كان الهواء مشبعاً برائحة البحر وخبز التنور الساخن.

كانت تهمس للخيط وهي تمرره: «هذه الغرزة لضحكة أمي… وهذه لغياب أبي الذي سافر ولم يعد».

كانت الإبرة تعلو وتهبط كنبض قلبٍ متعب. لم تكن الذكريات تسير في خطٍ مستقيم، بل كانت دوائر من الشعور، تتداخل وتعود. ولهذا كانت خديجة تتوقف طويلاً عند كل ثقبٍ في القماش، كأنها ترقّع فجوةً في ذاكرتها قبل أن ترقّع الحرير.

دخلت ابنة أختها سارة الغرفة بخطواتٍ سريعة، وكان لصوت حذائها على البلاط قسوةٌ لا تنسجم مع هدوء المكان. نظرت إلى الرداء وقالت بنبرةٍ عابرة: «يا خالتي، هذا الثوب انتهى زمانه، لماذا تتعبين عينيك؟ الأسواق مليئة بفساتين أحدث وأجمل».

لم ترفع خديجة رأسها، وواصلت تطريز وردةٍ صغيرة عند طرف الكم، ثم قالت بصوتٍ هادئ يشبه جريان الماء في فسقية قديمة: «يا ابنتي، نحن لا نلبس الثياب لستر الأجساد فقط، بل لنعرف من نكون. هذا الرداء شهد ولادتي، وشهد رحيل الأحبة، وفي خيوطه حكايات، لو نُطقت، لتعجّب منها الشجر».

حاولت سارة أن تفهم، لكن هاتفها الذي اهتز في جيبها كان أسرع من حكايا الخالة. خرجت، وبقيت خديجة وحدها مع صمت البيت الذي أخذ يتّسع شيئاً فشيئاً.

ومع مرور الساعات، بدا الرداء كأنه يستعيد أنفاسه؛ لمع الخيط الفضي تحت ضوء الضحى، واستعاد الحرير شيئاً من نعومته. وفجأة، شعرت خديجة بوخزةٍ حادّة في إصبعها. سقطت قطرة دمٍ صغيرة على القماش الأبيض، وراحت تتسع ببطء.

توقفت الإبرة.
نظرت خديجة إلى القطرة، وشعرت أن هذا الرداء لن يكتمل أبداً. فالغياب ليس رحيل الأشخاص فقط، بل هو رحيل الروح التي كانت تملأ التفاصيل. أدركت أن جيل سارة لن يتقن قراءة لغة الخيوط، وأن هذا الرداء، حين تغمض هي عينيها للمرة الأخيرة، سيعود إلى صندوقٍ صامت، أو يُترك في زاويةٍ منسيّة.

في لحظة تجلٍّ حزينة، جمعت خديجة خيوطها، ولم تُكمل التطريز. تركت الإبرة مغروسة في قلب الوردة غير المكتملة، وطوت الرداء بعنايةٍ تشبه الوصية. وضعت فوقه غصناً من الياسمين الذي قطفته صباحاً، ثم أغلقت الصندوق الخشبي بصوتٍ خافت، كزفرةٍ طويلة.

خرجت إلى الفناء، وجلست تحت الياسمينة، وأسندت رأسها إلى الجدار العتيق. كانت السماء صافية، لكنها رأت فيها غرزاتٍ خفيّة من النجوم تطرّز ثوب الليل القادم، وأدركت أن أجمل الحكايات هي تلك التي تبقى ناقصة… كي يكمّلها الحنين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com