ثقافة وفن

قراءة في (قطيع على أكتاف الطريق) لحضية خافي

الكتابة في زمن التذرّر:

قراءة: د .حمزة مولخنيف

يتبدّى للقارئ منذ الصفحات الأولى لهذه المجموعة القصصية قطيع على أكتاف الطريق

أنّه ليس أمام مجموعة قصصية بالمعنى التقليدي المطمئن، بل أمام مختبر سرديّ يشتغل على الحافة: حافة الوعي واللاوعي، وحافة الذات حين تتفتّت أمام عالم متشظٍ، وحافة اللغة حين تتحوّل إلى مادّة فوضويّة تقاوم الانتظام، كما لو أنّها تُحاكي عصاب الشخصيات نفسها أو توتّر وجودها. فالنصوص في جوهرها ليس تجميعاً لقصص قصيرة بقدر ما هي تجربة وجودية تُعيد مساءلة معنى الكائن حين يتحوّل إلى «آخر»، وإلى «شيء»، وإلى جزء من «قطيع» بلا ملامح ولا صوت فردي، تماماً كما حدّثنا نيتشه عن الإنسان الأخير الذي «يَرْفُض القلق الكبير ويبحث فقط عن راحته الصغيرة».

هذه القصص التي تتّخذ شكل شذرات حكائية، تنسج عالماً يبدو متنافراً للوهلة الأولى، ولكنه في عمقه منسجم انسجاماً مرعباً: انسجام القطيع. حيث الفرد لا يملك تماسكه الكامل، والحياة لا تقدّم معنى جاهزاً، واللغة نفسها تتعثر مثل كائن يجرّ قدميه نحو ظِلّه. لذلك فقراءتنا لهذا العمل تستوجب اعتبار النص كياناً حيّاً، يتنفّس ألمه عبر شخصيات متشظية، بعضها يتحوّل حرفياً، وبعضها تنكسر ذاته رمزياً، وبعضها يُسحق مثل «شيء» في عالم لا يعترف إلّا بما يُستعمل ثم يُرمى.

أول ما يمكن للقارئ أن يلتقطه هو هذا المنحى الوجودي-التحويلي الذي يمسك بالبنية العميقة للكتاب. نجد مثلاً قصة «رغبة» وما يتلوها من مقاطع مرصوفة كأنّها متتابعات نفسية تنقل وهن العالم الداخلي للشخصية. تشتغل هذه المتتابعات على اللغة بوصفها مرآةً للوعي المضطرب: جُمل قصيرة، وانفصالات إيقاعية، وانكسارات في السياق. وكأنّ النص يريد أن يقول لنا ما قاله هايدغر ذات مرة: «اللغة مسكن الوجود»، ولكنّ الوجود هنا مُهدّد، ولذلك فاللغة نفسها تميد تحت خطى قائلها.

وتتعمّق هذه الرؤية في قصة التحوّل، حيث يجد القارئ نفسه وجهاً لوجه مع صدى كافكا، لكن ليس بوصفه استنساخاً أو تكراراً، بل كاستعادة لمحنة الإنسان حين تتحوّل ذاتُه إلى شيء لا يقوى على تفسيره. الشخص الذي يشعر بأن شيئاً «كبيراً» ابتلعه، والذي يدخل في حالة شبه-هذيان، ثم تتسرب إليه فكرة أنه صار «ذبابة»، ليس مجرد حكاية غرائبية؛ بل هو استدعاء لسؤالٍ فلسفيّ: ماذا يبقى من «الأنا» حين تخونها اللغة والجسد والآخرون؟

الكاتبة هنا لا تقدّم تحوّلاً بيولوجياً بقدر ما تقدّم تحوّلاً أنطولوجياً: الذات تُسحق وتتقلّص، ويُعاد تشكيلها خارج إرادتها، تماماً كما كتب لاكان عن «انكسار صورة الذات» حين لا يعود الجسد مرآة مطمئنة وإنما يصبح مادة هاربة لا تُمسك. ويزداد هذا الملمح وضوحاً حين يصف السارد ارتجاف أطرافه وعجزه عن الحركة، وامتزاج الهذيان بالواقع، إذ يبدو كل ذلك كأنّه عودة عنيفة للـ«لاوعي» كي يلتهم بقايا الهوية.

أما التحوّل النهائي إلى ذبابة، فهو ليس غاية قصصية لكنه استعارة للانخطاف النهائي عن «المعنى». فحتى في احتجاجها الأخير حين تسمع أحد الواقفين في المستشفى تقول باستخفاف: «ذبابة!»، يشعر القارئ بأن عالم الشخصيات لا يرى الإنسان أصلاً، بل يرى ما يريده أن يرى: كائناً ممسوح القيمة. وهذا يتسق مع النفس الفلسفي للنص: العالَم كلّه لا فقط الأشخاص، قد تحوّل إلى «سجن تأويلي» ـ على حد توصيف فوكو ـ حيث يُعرّف الإنسان من خارج ذاته، ويُختزل إلى رماد.

غير أن قوة العمل لا تتمثل فقط في هذه القصص ذات الحمولات الوجودية السوداوية، بل أيضاً في قدرته على كشف الوجه اليومي للـ«تحوّل». في قصص أخرى، مثل تلك التي تتعلق بفكرة النظرة الاجتماعية – زوج، زوجة، منزل، مطبخ، ذكريات، أغراض، لحظات انكسار صغيرة – يبدو للقارئ وكأنه أمام «تحوّلات صامتة»، لا أقل خطورة من التحوّل إلى ذبابة. فالشخص الذي يراقب حياته الزوجية تتآكل مثل قطعة أثاث غير مناسبة، يعيش أيضاً نوعاً من التشوّه الداخلي. إنه القطيعُ نفسه، ولكن في صورة اجتماعية: رقابة الآخرين ومعاييرهم وأحكامهم، والذوبان البطيء للفرد داخل منظومة توقعات لا تعرف الرحمة.

تنكشف القصص على حقيقتها: فهي ليست فصولاً منفصلة، بل تجليات متشابكة لصورة واحدة: الإنسان حين يصبح «شيئاً». قد يكون شيئاً بين يدي طبيب لا يسمع صرخته، أو زوجة لا ترى فيه سوى امتداد لإرادة مكسورة، أو مجتمع لا يتذكّر منه سوى ما يسقط في «حاوية النفايات». وهذا ما يجعل العمل أقرب إلى مشروع نقدي-وجودي لا يهادن القارئ ولا يمنحه أيّ ترف جمالي مريح، بل يضعه أمام ما يشبه مرآة متكسّرة، يرى فيها ذاته، ولكنه لا يعرف أيّ شظية منها هي الحقيقة.

واللافت في هذا العمل أنّ الزمن فيه عامل متشظٍ. فهو ينتقل بين ذكريات الطفولة وحالات الهذيان، وصور المنزل والشارع والمستشفى والمطبخ والمقبرة والمزرعة، بطريقة توحي بأن الشخصية تعيش في «لا زمن»، وهو ما يجعل النصوص القصصية  قريبة جداً من تصور برجسون عن الزمن بوصفه «تدفقاً داخلياً» لا يمكن قياسه بساعة خارجية، بل يتحدد بالوجدان فقط. هذا الزمن هو زمن التفتّت، زمن فقدان التحكم، زمن يجرّ الشخصية نحو نفسها أو نحو لا-نفسها، دون أن يمنحها لحظة ثبات واحدة.

وإذا أردنا أن نقارب العمل من زاوية علم النفس، فسنجد أن القصص تكشف عن توتّرات عميقة: شعور بالانعزال وخوف من الفقد وهشاشة في الهوية وبحث عن صورة للذات حتى ولو كانت مشوّهة. وهذه كلها سمات تُذكّر بما يسميه كارل يونغ «ظلّ الشخصية»، ذلك الجزء المكبوت الذي يخرج في اللحظات الحرجة، ويُعرّي الإنسان أمام ذاته. لذلك فقصص حضية وإن بدت واقعية أو غرائبية، تظل في جوهرها «تحليل نفساني سردي» يكتب الذات وهي تتفكك ثم تحاول -عبثاً – إعادة لحم شظاياها ببعضها.

تواصل حضية الكشف عن بنيتها السردية المركّبة، التي لا تخضع لمنطق قصصي تقليدي، بل تقوم على تناثر متعمّد يشبه حالة الوعي حين يدخل في منطقة رمادية لا يمكن فيها التمييز بين الحلم واليقظة، وبين الذاكرة والهلوسة، وبين الذات وما يتسرّب إليها من صور العالم الخارجي. ولعلّ أهم ما يمنح هذا العمل فرادته هو أنّه لا يقدّم القصص بوصفها حكايات، بل بوصفها «أعراضاً»؛ أعراضاً لمرض الوجود ذاته، أو لما يسميه كيركغارد «القلق أمام الحرية»، حين يجد الإنسان نفسه عارياً أمام عالم بلا ضمانات.

يبدو واضحاً أن الكاتبة تشتغل بذكاء على مفهوم «تفويض الوعي»، أي جعل السارد نفسه غير قادر على الإمساك بخيوط ذاته. هذا التفويض أو العجز المتعمّد يُنتج سرداً محكوماً بالانكسار. الشخصيات تتكلم، لكنها لا تملك خطاباً كاملاً، والجمل تتتابع، لكنها لا تتجمّع في محور يقيني، وكأن النص يعلن رفضه لسلطة «المنطق» على السرد. وهذا الرفض يحمل في عمقه رمزية اجتماعية ونفسية: فالعالم المعاصر نفسه أصبح مفككاً لا مركز له، ولا معنى ثابتاً فيه يمكن للإنسان أن يستند إليه.

إن إحدى أهم أدوات الكاتب السردية هي التشظي الأسلوبي. فاللغة في العديد من القصص تأتي متوترة متكسّرة محذوفة الأجزاء، تُسقط الروابط المنطقية، وتكتفي بالصور النفسية المجتزأة. هذه التقنية ليست عبثية، بل تُعيد تشكيل التجربة الوجودية للشخصيات في لحظات الانهيار. إن بنية السرد المتقطّعة تُحاكي ما أسماه نيتشه «تشقق الذات»، حين تتعدد الأصوات داخل الإنسان فلا يعود قادراً على سماع نفسه كاملة.

وتظهر هذه التقنية بوضوح في سرد مشاهد الاضطراب الجسدي والنفسي؛ كقصة التحوّل إلى ذبابة، أو قصة المرأة التي يتكرّر فيها البكاء والانقباض والاختناق، أو قصة الرجل الذي يعيش حالة انكسار اجتماعي داخل بيته، أو قصة الأشياء التي تتكلم (الزجاجة، البرميل، الطاولة…). كل هذه المشاهد لا تُروى بالطريقة الوصفية السردية المألوفة، بل تُبنى عبر شظايا لغوية تجبر القارئ على «إعادة بناء» التجربة داخله.

وهذا التوتر البنائي بين التفكك وإرغام القارئ على الرتق، هو في حد ذاته جزء من الفعل النقدي الذي تقوم به النصوص: فهو يضع القارئ في موقع الفكرة التي يريد إنتاجها. فكما تفقد الشخصيات شكلها يفقد القارئ يقينه، وكما تتهشم هوية السارد يتهشم تسلسل القراءة. وكأن الكاتب ينجح في خلق نوع من «التورط الوجودي» لدى القارئ، فلا يبقى الأخير متفرجاً، بل يصبح جزءاً من التجربة. وهذه من خصائص الأدب الحديث الذي تمتد جذوره إلى بروست وكافكا وبول أوستر وما بعدهم، حيث لم تعد القصة بنية للاستهلاك، بل فضاء للتجربة.

وإذا التفتنا إلى البنية الرمزية في هذه المجموعة القصصية، فسنلاحظ أنها ليست رموزاً متعالية، بل رموزا من الحياة اليومية، ملطّخة بالعادي، لكنها مشحونة بدلالات قاتمة. فالذبابة والبرميل والزجاجة والشجرة والكلب والمزرعة والمطبخ والقميص وباب الغرفة والواجهة والنافذة… كلها تتحول إلى كائنات رمزية تؤدي وظيفة نقدية. إن الأشياء في هذا النص ليست خاملة، بل «تحيا»، كما لو أنّ الكاتب يستعيد رؤية الفيلسوف الفرنسي برونو لاتور حين قال : إن العالم ليس مؤلفاً من بشر وأشياء، بل من «عوامل» فاعلة تتشارك السلطة.

فالذبابة التي يتحوّل إليها الإنسان ليست مجرد حشرة، بل هي استعارة عن السقوط الأخير للذات. الزجاجة التي يُعاد تنظيفها قبل أن تتحطم، هي صورة للكيان الذي يُعاد ترميمه مراراً، لكنه يظل هشّاً إلى أن يأتي الوقت الذي تكتمل فيه لحظة الانكسار. البرميل الذي يقف أمام البيت، ويتشارك مع القطط والناس والمارّة، يختزل المجتمع بأكمله: امتلاء وتفريغ وروائح وفضلات، ونظرات وانتظار… إنه «جسد المدينة» نفسه.

وما يزيد هذه الرموز قوة أنّها لا تُقدّم بلغة رمزية مباشرة، بل تُترك تعمل بنفسها داخل السياق، فيتسلل معناها إلى القارئ دون وعظ أو إشارة أخلاقية. وهذا ما يجعل الكتاب قريباً من الأدب الذي وصفه رولان بارت حين قال: «النص ليس ما يقوله المؤلف، بل ما يتركه يحدث». فالكاتبة هنا تترك الأشياء تتكلم وتتحرك وتتحول وتراقب الإنسان وهو يتآكل.

هذا تقودنا حضية إلى نقطة مركزية في هذه القراءة، وهي البعد السوسيولوجي للنص. فعلى الرغم من أن القصص تبدو وكأنها تدور في فضاءات خاصة (غرفة، منزل، مطبخ، مستشفى، مزرعة)، إلا أن هذه الأمكنة مشحونة بمعاني اجتماعية. البيت ليس بيتاً، بل هو مؤسسة تُعيد إنتاج القواعد الاجتماعية. المطبخ ليس مطبخاً، بل هو صورة لـ«تقسيم الأدوار»، والشارع ليس مجرد مكان، بل هو فضاء للمراقبة والحكم. والمستشفى ليس مؤسسة علاج، بل هو مسرح لتشييء الإنسان.

نرى هذا بوضوح حين تصوّر الكاتبة نظرة الطبيب أو الموظَّف للمريض الذي صار ذبابة. النظرة هنا ليست فنية أو سردية فقط، بل هي «نظرة السلطة» التي تحدث عنها فوكو: نظرة تُفرّغ الفرد من جوهره، وتحوّله إلى ملفّ أو حالة أو موضوع للفحص، دون أن تُبقي له شيئاً من إنسانيته. يتكرّر هذا أيضاً في وصف الزوجة للزوج، أو المجتمع للمرأة، أو الأطفال للشيء المكسور. فالنظرة دائماً قاسية، مجرّدة من الحنان ومعلّقة على معيار لا يرحم.

وهكذا يتحوّل النص تدريجياً إلى نقد اجتماعي عميق، لكنه نقد مكتوم تحت طبقات من الرمزية لا تجعله مباشراً. فليس في الكتاب خطاب وعظي، ولا نقد اجتماعي صريح، لكنه نقد يتسرّب عبر القصص مثل تيار بارد يجتاح المكان.

أما البعد النفسي، فهو أحد أعمدة العمل. فالشخصيات -سواء كانت بشراً أو أشياء- تعيش دوامات من القلق، والشعور بعدم الأمان والخوف من الهجر والرغبة في الاعتراف ومحنة الاغتراب عن الذات. يمكننا القول إن معظم شخصيات المجموعة القصصية تعاني ما يسميه علماء النفس ب : «تفكك الهوية» (Identity Diffusion)، وهي حالة يفقد فيها الإنسان إحساسه بثبات ذاته، فيصبح قابلاً لأن يتماهى مع صورة أخرى، أو يتحول إلى شيء لا يعرفه.

وهذا ما يجعل النص قريباً جداً من الأدب الذي يلتقط الحالات القصوى للوعي، مثل كتابات فرجينا وولف، أو حتى كتابات دوستويفسكي حين وصف الإنسان الممزق تحت وطأة الوعي المفرط. الشخصيات هنا ليست أدواراً تتحرك، بل حالات نفسية تبحث عن معنى، ولو كان معنى هشّاً أو مؤقتاً.

ثم تأتي القصص التي تُروى من منظور الأشياء لتضيف بعداً ثالثاً: «نفسية الشيء». فالزجاجة والبرميل والنخلة والطاولة، كلّها تحمل خطاباً داخلياً، وتحاول أن تجد معنى لوجودها. هذه التقنية ليست مجرد لعب سردي، بل هي إعادة صياغة لأزمة الإنسان ذاته: حين يصبح الإنسان «شيئاً»، يصبح الشيء أيضاً قادراً على التحدث. وهذا استبصار فلسفي عميق يرتبط بالنقاش المعاصر حول «موت الإنسان» كما طرحه فوكو ودريدا.

تأخذنا قطيع على أكتاف الطريق، إلى منطقة أكثر تركيباً مما قد تبدو عليه القصص للوهلة الأولى. فإذا كنا قد تناولنا سابقا الجانب الوجودي والنفسي للنصوص في هذه المجموعة، فإننا بصدد الكشف عن الهندسة الرمزية التي يقوم عليها العمل، وهي هندسة دقيقة لا تُرى مباشرة، لكنها تتحكم في تماسك النص كله من الداخل، كما لو أن الكاتبة بنت مجموعتها القصصية على «بنية تحتية» من الإشارات والرموز والصور المتكررة، بحيث تحافظ كل قصة على استقلالها الظاهري، بينما تنخرط

-في السر- في شبكة أعمق من الترابط.

هذه الهندسة تقوم على ثلاثة محاور: صورة الجسد المتحوّل، وصورة الشيء المتكلم، وصورة النظرة الاجتماعية. وكل محور منها يعمل كخيط خفي يربط القصص ببعضها البعض، ليخلق في النهاية رؤية مكتملة لما يمكن أن نسميه «تشييء الإنسان» أو «موت الذات الفردية» داخل العالم المعاصر.

أوّل هذه المحاور هو الجسد. الجسد في هذه النصوص ليس جسداً عادياً، إنه «جسد مهدَّد»، جسد لا يعرف الاستقرار. أحياناً يتضخم وأحياناً ينكمش وأحياناً يرتجف بلا إرادة، وأحياناً يفقد صوته أو شكله أو مكانه. إنه جسد يعيش في منطقة بين-بين؛ بين الحياة والموت، والإنسانية والحشرية، بين الفعل والانمحاء.

نرى ذلك بوضوح في قصة الذبابة، التي تناولناها سابقا. التحول هنا ليس تحولاً جسدياً فقط، بل هو تجسيد لرؤية الكاتبة للجسد كـ«موقع للألم»، كما يقول ميرلوبونتي. الجسد يتحول وليست الروح؛ وهذا يعكس رؤية أنطولوجية عميقة: أن الإنسان لا ينهار من داخله فقط، بل ينهار أيضاً في عيون الآخرين. فالجسد هو «مسرح العالم»، والمسرح هنا مهدوم.

لكن التحول الجسدي لا يظهر فقط عبر قصة الذبابة، بل يتكرر في صور مبعثرة عبر القصص: يد ترتجف، وعين تدمع بلا إرادة، وقدم تتورم، وفم يعجز عن الكلام، وصوت ينكسر، وتنفس متقطع، ونوم متوتر، وحركة متشنجة. وكلها تشير إلى جسد فقد توازنه. وحتى القصص غير المباشرة التي لا تصف الألم الجسدي سوى بعلامات صغيرة، تحمل في طياتها لغة «الإعياء».

إن الكاتبة تستخدم الجسد هنا بوصفه «نصاً» مكتوباً بالأعراض، تماماً كما يرى فرويد، حيث الجسد يعكس ما لم تستطع الروح التعبير عنه. ولذلك فإن الجسد المتشظي في الكتاب ليس إلا إسقاطاً للذات المتشظية.

أما المحور الثاني فهو صورة الشيء المتكلم.

الزجاجة التي تراقب مصيرها، والبرميل الذي يقف شامخاً وسط الشارع، الطاولة التي تشعر بإهمال أصحاب البيت، الحذاء الذي يشتكي من أثقال الطريق. ليست هذه مجرد لعبات تخييلية، بل هي تجسيد متقن لفلسفة معاصرة عميقة.

فالكاتبة من خلال إعطاء الأشياء أصواتاً، تعلن -وإن لم تقلها صراحة- أن العالم أصبح «عالم الأشياء»، وأن الإنسان فقد مكانته المركزية. وهذا قريب من الفكرة التي عبّر عنها الفيلسوف الهولندي هارمان عندما قال: «الأشياء ليست صامتة، بل نحن الذين لا نسمع». في النص الإنسان يعجز عن سماع الأشياء لأنه فقد أصلاً القدرة على سماع نفسه.

هذا التحول من «الإنسان الفاعل» إلى «الشيء المتكلم» يعكس ما تذهب إليه الفلسفة المادية الجديدة (New Materialism) من أنّ الأشياء تمتلك إرادةً وتأثيراً و«حضوراً»، وأن الإنسان لم يعد سيد العالم، بل مجرد عنصر ضمن شبكة كثيفة من الفاعلين، من بشر وغير بشر.

إن قارئ هذه المجموعة القصصية يلاحظ أنّ الأشياء تتكلم بلغة عاقلة وواضحة، بل وأحياناً حكيمة، بينما الإنسان في النص يعيش حالة اضطراب وارتباك. وهنا تنقلب مركزية الوجود: يصبح الإنسان في موقع «الشيء الهش»، بينما تصبح الأشياء في موقع «الذات القوية».

وليس هذا غريباً؛ فالعالم المعاصر بمؤسساته وقوانينه وسرعته ومواضعاته، جعل الأشياء -التكنولوجيا والبضائع والعلامات والواجهات- أكثر بقاءً من الإنسان نفسه. والكاتبة تلتقط هذا التحول بحساسية عالية، فتخضعه لسرد رمزي دقيق.

أما المحور الثالث فهو النظرة الاجتماعية، وهي محور حاسم في فهم هذه المجموعة القصصية.

النظرة هنا ليست مجرد نظرة، بل هي سلطة وتهديد ومحكمة غير مرئية، ورقابة أخلاقية، وخوف دائم من الحكم.

نجد هذا في القصص التي تتناول الحياة الزوجية أو العائلية، حيث أشكال الحكم الاجتماعي تُمارس بصرامة: نظرة الزوجة التي لا ترى من الرجل إلا ضعفه، ونظرة الزوج الذي يرى في زوجته مجرد دور اجتماعي، ونظرة الجيران ونظرة الطبيب، ونظرة المارة ونظرة العامل ونظرة الأطفال. الجميع يحدّق بالجميع.

تذكّرنا هذه النظرة بما قاله سارتر في كتابه الوجود والعدم: «الآخر هو الذي يجعلني شيئاً».

إن الشخصيات في مجموع هذه النصوص لا تُهدَّد فقط بالتحول إلى أشياء، بل تُهدَّد بفعل النظرة الاجتماعية التي تسلبها إمكانية تقرير ذاتها.

والكاتبة تعزز هذه الفكرة ببراعة: فكل نظرة تأتي محملة بحكم. نظرة الطبيب للذبابة ونظرة الأطفال للبرميل، ونظرة المرأة لزوجها، ونظرة المارة للشيء المكسور. كلها نظرات مُمَيِّزة، تخلق مسافة بين الذات وآخريتها، وتجعل الكائن المعني يشعر – على نحو مؤلم- بأنه «لا يشبه نفسه».

إنّ هاته النصوص تشتغل على طبقة فلسفية قريبة من الفلسفة الأخلاقية عند ليفيناس، ولكن بشكل معكوس. ففي أعمال ليفيناس، وجه الآخر يكشف المعنى الأخلاقي ويمنح الذات سبباً لوجودها. أما عند حضية خافي، فالآخر لا يمنح إلا الألم؛ الآخر ليس خلاصاً بل تهديداً. الوجوه في النصوص ليست وجوهاً، بل مرايا مشوهة.

ومع تداخل هذه المحاور الثلاثة التي ذكرنا -الجسد المتحول، الشيء المتكلم، النظرة الاجتماعية – يتولد من النص معنى فلسفي عميق .إن الإنسان في هذا العالم يفقد مركزه من الخارج (بفعل السلطة الاجتماعية)، ومن الداخل (بفعل هشاشة الذات)، ومن الجوانب المادية (بفعل سلطة الأشياء).

لقد استطاع الكاتبة أن تجعل كل قصة مهما كانت بسيطة، جزءاً من هذه الرؤية المترامية. فلا توجد قصة يمكن قراءتها بمعزل عن هذا السياق، لأن كل جزء هو انعكاس لجزء آخر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com