مقالات

أنا أكبر من أخي الأكبر مني

فاطمة بنت عبدالله الدوسري

‏الأول من رجب …تاريخ وذاكرة…
‏ليس كل ما نحمله في هوياتنا حقيقة، فبعض الأرقام وُلدت من المصادفة، وبعض التواريخ كُتبت بنية التسهيل، لا بنية الدقة. وحين نعود إلى الوراء، نكتشف أن جيلًا كاملًا عاش عمره بين التخمين والذاكرة الشفوية، حيث كان الميلاد يُروى ولا يُوثّق، ويُقدَّر ولا يُسجَّل.

‏في حديثٍ عابر مع صديقة، أعادني تاريخ هذا اليوم، الأول من رجب، إلى حكاية تختصر كثيرًا من ملامح ذلك الزمن. كانت تحكي عن ظلمٍ هادئ، لا يُرى، لكنه يرافق صاحبه العمر كله. لم تُستخرج هوية والدها إلا بعد ولادة شقيقها الأصغر، لأنه وُلد في المستشفى، حيث بدأت الأرقام تأخذ مكانها الرسمي. أما من سبقوه، فقد دخلوا السجل عبر الذاكرة وحدها.

‏حين جلس الأب أمام الكاتب، سرد أسماء أبنائه وبناته، وطلب أن يُفصل بينهم بعامين، وكأن الزمن يمكن ترتيبه بهذه البساطة. ومن مفارقات الحكاية أن أحد الأبناء لم يكن بينه وبين ميلاد أمه سوى عامين فقط، ومع ذلك مضت الأمور، فالأرقام آنذاك كانت تقديرية، والنية طيبة، والهدف إنجاز المعاملة لا أكثر.

‏توقّف الكاتب عند أسماء البنات، عندما ذكر الوالد والآن البنات الأحياء فسأل: «ومن ذُكرن قبل؟»
‏جاءه الرد هادئًا: «هؤلاء متوفيات».
‏اعترض الموظف متذمرًا: «الأموات لا يُسجَّلون».
‏لكن الأب، ببساطة زمنه، اقترح تسجيل الأحياء مكانهن… وهكذا انتهت الحكاية رسميًا، وبدأ أثرها طويل الأمد.

‏مرت السنوات، وكبرت الفجوة بين الحقيقة والهوية، حتى وصلت صديقتي إلى مرحلة الوظيفة، حيث لا تعترف الأنظمة بالذاكرة، بل بالأرقام وحدها. هناك، اكتشفت أنها تكبر أقرانها بعشر سنوات على الورق، لا في الروح ولا في التجربة. حاولت التصحيح، لكن بعض الأخطاء حين تتجذّر، يصعب اقتلاعها.

‏أصبحت – مفارقة الزمن – أكبر من أخيها الأكبر منها، لأنه الوحيد الذي حصل على هوية ولم يدخل في دائرة التخمين. أما هي، فقد بقيت أسيرة رقمٍ لا يشبهها.

‏تضرّرت في فرصٍ كثيرة، لكن ما بقي فيها أعمق من الضرر: تفهّمٌ هادئ، ورضا يشبه التسليم، وترحّم صادق على قلوبٍ رحلت، كانت طيبة النية، بسيطة الفهم، لا تعرف أن قرارًا عابرًا قد يمتد أثره لعمرٍ كامل.

‏هذه الحكاية ليست فردية، بل مرآة لجيلٍ كامل، عاش بين بساطة الماضي وتعقيد الحاضر. جيلٍ لم يُنصفه الرقم، لكنه حمل في داخله صدقًا لا يُقاس بالتواريخ.

‏وفي الأول من رجب، لا نحتفل بالميلاد بقدر ما نحتفي بالحب الذي جمعنا، وبالاحتواء الذي يعوّض نقص الأرقام.
‏فكل عامٍ ونحن بخير…
‏وكل عامٍ والذاكرة أصدق من الهوية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com