صون الإيقاع قبل أن يضيع الموروث: العرضة الجنوبية بين الأصالة والتشوّه

محمد بن مسعود العُمري
تُعدّ العرضة الجنوبية أحد أبرز الموروثات الشعبية في جنوب المملكة، بما تحمله من دلالات تاريخية واجتماعية، وبما تمثّله من ذاكرة جمعية تختزل الشعر والإيقاع والحركة في نسقٍ واحد متكامل. وقد ظلّت هذه العرضة، على امتداد عقود، تؤدَّى بإيقاعٍ متّزن يراعي الجماعية، ويمنح الكلمة وزنها، والحركة معناها، ويعكس روح المكان والإنسان.
غير أنّ المتابع لبعض المشاركات المصوّرة في السنوات الأخيرة، يلحظ بوضوح تغيّراتٍ لافتة طرأت على أداء العرضة، لا سيما في جانب الحركة والإيقاع، حيث تسارع الأداء على نحوٍ أخلّ بالنسق المعروف، وأخرج العرضة عن صورتها المألوفة، حتى بدت في بعض المناسبات أقرب إلى استعراضٍ متعجّل منها إلى فنٍّ تراثي راسخ.
إنّ الإشكال هنا لا يكمن في الشعر ذاته؛ فشعراء العرضة، في الغالب، ما زالوا يلتزمون بالبنية المعروفة، ويقدّمون نصوصًا قابلة للأداء المتّزن، لكن الخلل يتجلّى أكثر في طريقة التلقي والتنفيذ، وفي أداء بعض المؤدّين الذين غلّبوا السرعة والحركة المفرطة على حساب الاتزان، وكأنّ الغاية باتت اللحاق بالإيقاع لا خدمته.
والأخطر من ذلك، أنّ هذا التحوّل يُقدَّم أحيانًا بوصفه “مواكبة للعصر”، في حين أنّ التجديد الحقيقي لا يكون بإلغاء الخصائص الأصيلة، بل بالحفاظ عليها مع تطوير واعٍ لا يُفرغ الموروث من روحه. فالعرضة ليست لحنًا سريعًا ولا حركة منفلتة، بل منظومة متكاملة؛ متى اختلّ أحد أركانها، فقدت توازنها، وتحوّلت من فنٍّ جامع إلى مشهدٍ مشوّه.
من هنا، تبرز مسؤولية منظّمي المهرجانات والمناسبات، بوصفهم الجهة الأقدر على ضبط الإيقاع العام، وتوجيه الأداء نحو ما يليق باسم العرضة وتاريخها، كما يبرز دور شعراء العرضة المخضرمين، لا باعتبارهم مؤدّين فحسب، بل بوصفهم مرجعيات ثقافية، وحراسًا للنسق الصحيح، يُحتكم إليهم عند الخلاف، ويُستأنس برأيهم عند الاختيار.
إنّ صون الموروث ليس ترفًا ثقافيًا، بل واجبٌ اجتماعي، لأنّ التفريط فيه اليوم يعني تقديم نسخة مشوّهة للأجيال القادمة، نسخة لا تشبه ما ورثناه ولا تعبّر عن عمقه الحقيقي. وما نأمله أن تعود العرضة الجنوبية إلى اتزانها المعروف، محافظةً على روحها، رصينةً في أدائها، بعيدةً عن العبث، وقادرةً على الجمع بين الأصالة والحضور دون أن تدفع ثمن ذلك من هويتها.



