بَوْح

محمد الرياني
غدًا نلتقي وأقول لك ، كانت تنخل حناءها اليابس في منخل قديم لتنقيه من الشوائب ، وكنت أجلس على سرير قريب منها محدقًا وأضرب ساقًا بساق في لحظة اندهاش من هذه العجوز التي تتهيأ لوضع الحناء على قدميها صباح يوم غد.
ظلت تنقي الحناء وأنا أتعجب وأنظر إلى شعر رأسها الأبيض وتجاعيد جبهتها على الرغم من بقايا الجمال الذي لم تطمسه دواليب الزمن .
كانت أمي تقول لي : إنها الحسناء التي لم يلد الحي مثلها ، ولم تنجب النساء جميلة مثلها ولكنها بقيت وحيدة تصبغ بشرتها منذ الصغر لتبدو مثل شجرة حناء فاتنة ؛ ورقها أخضر ويحمر إذا سحقته المطحنة واستقر على قدميها وكفيها .
عدت مع مشرق اليوم الجديد لأرى الحناء على قدميها وتكتحل عيني بالتاريخ لأجمل امرأة لم أر شبابها ولكني تأخرت فلم أر سوى قدمين فائقتي الحسن والجمال .
وفي الصباح قابلت امرأة في مثل سنها تحمل بقايا الحناء في قدر قديمة وهي تخرج من دارها فلم أعرها اهتمامًا ومضيت نحو خالتي لأرى لون شروق الشمس على قدميها مع لون الحناء .
جلستُ على السرير نفسه إلى جوارها وأنا أضرب ساقًا بساق أيضًا ؛ بينما هي تنشد أنشودة قديمة قالت لي إنها كانت ترددها في الصغر .
لم أفهم كثيرًا مما تقول لأن حروفها تتداخل باستثناء صوتها الحزين الجميل .
لم أشأ أن أعكر عليها مزاجها بكثرة أسئلتي فتركتها تنوح مع حمام الظلال في الصباح بوح الألم والوحدة .
لم تقل إن جمالها مر مثل ظلال عابرة ؛ لقد نزعوا كل أوراق الشجرة وتركوها جرداء بلا ظلال .
قالت وهي تغالب دموعها :
أرأيت كيف أن الحناء كان يصنع لي الحمرة فغاب عن المشهد ؟!.
لم تستطع شجرة الحناء أن تنبت من جديد ؛ فهناك من أرادها أن تنبت بلا أوراق .


