عبده خال.. هل أنهى زمن محفوظ؟

عادل النعمي ـ كاتب وناقد
حين يُستدعى اسم نجيب محفوظ في أي سياق نقدي، فإننا لا نستحضر كاتبًا فحسب، بل مؤسسة سردية كاملة، ونموذجًا مكتملًا لما يمكن أن تكون عليه الرواية العربية حين تبلغ ذروة نضجها الكلاسيكي.
غير أن وضع عبده خال بإزاء هذا الثقل لا ينبغي أن يُفهم بوصفه مقارنة غير متكافئة، بل بوصفه تأسيس لمفهوم مختلف، فالعبقرية لا تتكرر، بل تتحول، وتغيّر أدواتها، وتختار مناطق اشتغال أكثر خطورة وتماساً مع (اللحظة الراهنة) وهذا ما فعله خال، سلك لنفسه مسلكاً آخر وبنى لنفسه مجداً مستقلاً.
في رواية الحرافيش، يكتب محفوظ التاريخ بوصفه بنية رمزية مغلقة نسبيًا، تتكرر داخلها أنماط السلطة والعدل والانحراف وفق دائرة خلدونية محكمة.
الحارة عند محفوظ ليست مكاناً جغرافياً، بل هي (عالم صغير) يختزل الكون، وعاشور الناجي ليس شخصية فحسب، بل هو نموذج مثالي من خلاله تسطيع دراسة المجتمع وسلوك البشر داخل الجماعات ـ وكيف يتكثف فيه الحلم الأخلاقي والعدل.
لقد استطاع محفوظ بعبقرية فذة أن يحول الرواية إلى مرآة للوعي التاريخي العربي، مروضاً الفوضى السردية داخل نظام قيمي صارم.
غير أن هذه العبقرية التأسيسية، على عظمتها، ظلت تتحرك ضمن ما يمكن تسميته (ببلاغة الرمز المنضبط) حيث يُعاد إنتاج القبح والظلم داخل طريقة سردية تحافظ على تماسك العالم الحكائي، حتى وهو يفضح اختلاله… وهنا تحديداً، يدخل عبده خال من منطقة أكثر وعورة وفتكاً بالثوابت الجمالية في الكتابة، هو لا يسير على خطى محفوظ بل يخترع مساراً جديداً يليق به.
في روايته ترمي بشرر، لا نجد نموذجًا يسعى للكمال بقدر ما نجد تفكيكاً كلياً للنموذج الروائي القديم.
القصر في سردية عبده خال ليس استعارة مجازية فحسب، بل هو منظومة قمع حيوي بمفهوم الفيلسوف فوكو، حيث تتحول القوة من فكرة مجردة إلى ممارسة يومية سادية تستمتع بالتعذيب.
وإذا كان محفوظ قد انشغل بجدلية المستبد العادل كحل تاريخي، فإن عبده خال يذهب إلى أقصى الراديكالية الأدبية: والراديكالية هي تفكيك البُنى السائدة في المجتمع واللغة والقيم، عبر الذهاب إلى جذورها العميقة لا، الاكتفاء بتمثيلها أو تجميلها.
لقد التقط الدكتور سعد البازعي هذه الجوهرية حين أشار إلى أن عبده خال ينقل الرواية من تمثيل الواقع إلى تعريته ـ وللأمانة لا أذكر هل هذه المقولة لسعد أم لغيره ـ وهو توصيف دقيق يعكس انتقالة عبده خال من المحاكاة التقليدية إلى التفكيك الأنطولوجي للواقع، والتفكيك الأنطولوجيي وهو علم الوجود؛ الذي يدور حول السؤال الفلسفي الجوهري: ما معنى أن يكون الشيء موجودًا؟ وهنا خال يصبح فيلسوفا فالفلاسفة الكلاسيكيون (من أرسطو إلى هيغل) كانوا يفترضون أن للوجود بنية عميقة، نظامًا، أو حقيقة يمكن كشفها، وهذا ما قام به خال في روايته فكفك بنية المجتمع ولم يكتفي بتوصيفها.
إننا في ترمي بشرر لا نكتفي برؤية العالم، بل نرى أحشاء هذا العالم وما يخفيه عن نفسه من نتانة أخلاقية.
هنا تبرز المقارنة الطويلة بين الأساليب؛ فمحفوظ يميل إلى اللغة الرصينة التي تبني عالماً متماسكاً حتى في لحظات انهياره، بينما يتبنى عبده خال في أسلوبه الصدمة كإظهار الواقع كما هو ـ فألفاظه الرواية تتجاوز السوقية ـ لأنه يريد أن يصور الحياة كما هي.
إن الدكتور عبد الله الغذامي، في حديثه عن المضمر الثقافي، لمح إلى أن هذا النمط من الكتابة يشتبك مع المسكوت عنه ثقافياً، وهو ما يجعل تجربة عبده خال تتجاوز الفن للفن لتصبح نقداً ثقافياً سردياً بامتياز… إن عبقرية عبده خال تكمن في قدرته على تحويل القذارة المسكوت عنها في القصور الخلفية إلى مادة جمالية مذهلة، دون أن يسقط في فخ السطحية والهروب من التصريح، بل يترك الجرح مفتوحاً ليحقق وظيفة التطهير عبر المواجهة لا عبر الشفقة كما في المآسي الكلاسيكية.
وإذا استعدنا نظرية ميخائيل باختين حول تعدد الأصوات، سنجد أن عبده خال يتجاوزها إلى تعدد الانكسارات؛ فشخصياته لا تتحاور داخل فضاء حر، بل تتآكل وتتكاشف داخل بنية بانوبتيكية (مراقبة وشاملة) بتعبير فوكو.
إن عبقرية عبده خال تكمن في تصويره لكيفية تحول الضحية إلى جلاد، وكيف يتناسل الشر في غياب عاشور الناجي الذي بشر به محفوظ.
وإجابةً على السؤال: هل انتهى زمن محفوظ؟ الإجابة هي أن محفوظ وضع الأساس المعماري، ولكن عبده خال هو من امتلك جرأة هدم السقوف الزائفة لهذا المعمار ليرينا السماء وهي تمطر شرراً.
محفوظ قد بلغ ذروة العبقرية في قدرته على تنظيم الفوضى داخل بنية رمزية، فإن عبده خال يبلغ ذروة موازية في قدرته على كشف الفوضى بوصفها الحقيقة النهائية… وهذا ليس إنجازًا أقل، بل هو انتقال نوعي في وظيفة الرواية نفسها: من أداة تفسير إلى أداة صدمة.
إن كثيرًا من القراءات التقليدية تميل إلى وضع محفوظ في موقع الأب المؤسس وهو توصيف صحيح تاريخيًا، لكن الخطأ يكمن في تحويل هذا التأسيس إلى معيار ثابت تُقاس عليه التجارب اللاحقة… فعبده خال لا يكتب داخل هذا المعيار، بل يوسّعه ويكسره في آن. هو لا يقلّد محفوظ، بل يمارس ما يمكن تسميته بـالقطيعة الإبداعية المنتجة.
ولهذا يمكن القول، دون مجاملة نقدية، إن عبقرية عبده خال في ترمي بشرر لا تقل عن عبقرية نجيب محفوظ في الحرافيش ـ ضمن سياقين زمنيين مختلفين ـ بل تكملها من جهة مظلمة لم يكن ممكنًا لمحفوظ – بحكم مشروعه الجمالي – أن يغوص فيها إلى هذا الحد.
إذا كان محفوظ قد كتب (حكاية الإنسان في مواجهة الزمن) فإن عبده خال كتب (أرخ لتشظي الإنسان في فخ الفساد)… وهذا أبلغ وأعمق، حتى للإنسان العادي الذي لا يمارس النقد ولا يفهم أدواته.
العبقرية… لا توصف بأنها تكرار لتجربة ما بوصفها تكرارًا، بل بوصفها قدرة على الذهاب أبعد، وهذا ما فعله خال.
يظل عبده خال برهاناً ساطعاً على أن الرواية العربية بلغت سن الرشد ، متجاوزةً زمن الآباء لتبني زمنها الخاص.. زمن المواجهة الذي لا يرحم.
إن القول بتفوق عبده خال ليس من قبيل المجازفة النقدية، بل هو استنتاج تفرضه بلاغة التجاوز التي يتبناها… فإذا كان محفوظ قد اعتمد على الراوي العليم الذي يمسك بزمام المصائر من الأعلى (بمنطق الآلهة الإغريقية) فإن عبده خال في ترمي بشرر قد اجترح ما يمكن تسميته (بالسرد المأزوم) حيث ينخرط الراوي في الوحل، لا ليرصد الأحداث فحسب، بل ليكون شريكاً في الجريمة والندم.
هذا النمط من السرد يخلق حالة اشتباك وجودي مع القارئ، يخرجه من مقعد المتفرج الآمن إلى زنزانة التساؤل الأخلاقي المرير.
عبقرية عبده خال تكمن في أنه نقل الرواية من التاريخانية الكبرى بتعبير الفيلسوف هيغل التي اشتغل عليها محفوظ، إلى قوة القمع؛ فهو لا يهتم بتعاقب الأجيال بقدر اهتمامه بتشريح اللحظة الساقطة (الحاضر الذي نحن به).
إنه يستخدم أسلوب التكثيف المشهدي المتوحش، حيث تتحول الكلمات إلى مباضع جراحية تخترق أنسجة المجتمع لتكشف عن أورامها.
عندما نقارن بين تخييل القوة عند الطرفين، نجد أن محفوظ يغلف القوة بالأسطورة (فتونة الحرافيش) مما يمنح القارئ نوعاً من العزاء الجمالي، أما عبده خال، فإنه ينزع عن القوة كل أشكال التجميل، ويقدمها في صورتها العارية كفعل انتهاك… هذا الأسلوب هو الذي يمنح عبده خال الأفضلية في سياق ما بعد الحداثة السردية؛ لأنه لا يبيع وهماً، بل يقدم الحقيقة الكاوية.
علاوة على ذلك، يبرز عبده خال كأستاذ في الأنطولوجيا اللغوية وهي بمعنى أدق: هي محاولة لفهم كيف تُنتِج اللغة فكرة (الوجود) نفسه في الوعي، وما سأقوله تاليا هو خارج سياق المقال، جلست لمدة شهر لا أقرا بعد نص خال ترمي بشرر لأتعافى نفسياً من هذا النص الذي ألقى بي داخل جهنم الألم البشري دون مقدمات، ليجعلني اتعذب وحيداً، بلا سبب واتعاطى أقداح من صديد جراح لا تخصني! وهذا أفضل أبرز مثال لتأثير اللغة على الوعي.
لغته ليست مجرد وعاء للفكرة، بل هي الفكرة ذاتها في حالة فوران… هو لا يكتب عن القبح بلغة أنيقة (كما فعل محفوظ أحياناً) بل يبتكر لغة تليق بالقبح، لغة خشنة، جارحة، ومتمردة على القواميس التقليدية. هذه القدرة على تطويع اللغة لتكون صدى للمنبوذين هي ذروة الإبداع التي تجعل نصه نصاً عابراً للحدود، وقادراً على هزيمة الزمن وتجاوز المعايير الكلاسيكية المحفوظية.
إننا أمام كاتب لم يكتفِ بالجلوس على كتف العملاق (محفوظ) بل استطاع أن يقفز من فوقه، ليفتح أفقاً سردياً جديداً يسمى واقعية الصدمة الوجودية… وبناءً عليه، يمكن القول إن زمن الحكيم المفسّر (محفوظ) قد أفسح المجال لزمن المحارب الكاشف (عبده خال)، الذي أثبت بأساليبه السردية الفتاكة أنه ليس مجرد امتداد، بل هو الذروة الجديدة التي أعادت تعريف مفهوم العبقرية الروائية في الأدب العربي المعاصر.



