الأولى

أسير العظمة والوهم

أميمة عبدالعزيز زاهد

النرجسي ليس مجرد شخص صعب التعامل، بل هو سجن متحرك، جدرانه من الغرور، وسقفه من الوهم. يعيش أسيرًا لصورة مثالية رسمها لنفسه، ويقضي عمره في محاولة إقناع الآخرين بها، حتى وإن كان الثمن راحة من حوله ومشاعرهم.

ومن يعايش هذه الشخصية يدرك أن المعاناة معها لا تكمن في حبها لنفسها فحسب، بل في نظرتها للآخرين. فهو لا يرى الناس شركاء في الحياة، بل مرايا تعكس صورته، وأدوات تؤكد تفوقه، ووسائل لإشباع حاجته الدائمة إلى الإعجاب والاهتمام.
لذلك لا يعترف بسهولة بفضل أحد، ولا يرى أخطاءه كما يرى أخطاء غيره.

وما يجعل التعامل معه أكثر صعوبة أنه يملك قدرة عجيبة على قلب الحقائق.
فكل نقاش ينتهي لصالحه، وكل خلاف يتحول إلى خطأ ارتكبه الآخرون، وكل محاولة للتفاهم تصبح معركة جديدة لإثبات أنه على حق. ومع مرور الوقت يجد من حوله أنفسهم في دائرة مرهقة من التبرير والدفاع والاعتذار، حتى عن أمور لم يكونوا مسؤولين عنها أصلًا.

والأشد إيلامًا أن النرجسي لا يكتفي باستنزاف طاقة الآخرين، بل يدفعهم أحيانًا إلى الشك في أنفسهم. فتتراجع ثقتهم بقراراتهم، ويصبحون أكثر حذرًا في كلماتهم وتصرفاتهم، خشية إثارة غضبه أو انتقاده. وهنا لا تكون المشكلة في موقف عابر أو خلاف مؤقت، بل في أثر نفسي يتراكم ببطء حتى يرهق الروح ويستنزف المشاعر.

وقد يكون التعامل مع هذه الشخصية أكثر تعقيدًا حين تكون قريبة من الإنسان؛ كزوج أو قريب أو زميل عمل أو صديق لا يمكن الابتعاد عنه بسهولة. فليس كل المؤذين غرباء يمكن إغلاق الأبواب في وجوههم، وبعضهم يفرض حضوره على تفاصيل الحياة اليومية، مما يجعل التكيف معهم تحديًا مستمرًا.

ومع ذلك، فإن النجاة لا تكون بمحاولة تغييره أو الدخول في معارك لا تنتهي معه، بل بفهم طبيعته ووضع حدود واضحة تحمي النفس من الاستنزاف. فليس مطلوبًا من الإنسان أن يخوض كل جدال، ولا أن يبرر كل موقف، ولا أن يضحي براحة قلبه في سبيل إرضاء شخص لا يرى إلا نفسه.

إن أصعب ما في التعامل مع النرجسي أنك تقضي وقتًا طويلًا تحاول إصلاح ما ليس معطوبًا فيك، حتى تدرك أخيرًا أن سلامك النفسي أثمن من أن يكون رهينة لرغبة أحد في السيطرة أو التعظيم. فبعض المعارك لا تُكسب بالمواجهة، بل بالوعي، وبمعرفة متى تتوقف عن استنزاف نفسك في محاولة إرضاء من لا يرى في الآخرين إلا إنعكاس رؤيته المشوشة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com