الشعرية والشاعرية: حين تختلط اللغة بالحكاية

بقلم: صفاء الأحمد
بعد جلسة حوارية مع عدد من القصاص والمهتمين بالسرد، وجدتني أراقب جدلًا يتكرر حول النصوص المثقلة بالوصف والتأملات.
كان المدافعون عن النصوص يرفعون راية الشعرية، بينما كان المعترضون يرون أن اللغة استولت على مساحة الحدث والشخصية والصراع.
المثير للاهتمام أن الطرفين كانا يستعملان المصطلحات ذاتها، لكنهما لا يتحدثان عن الشيء نفسه.
ربما جزء كبير من الخلاف الدائر حول كثير من النصوص السردية المعاصرة ناتج عن هذا الالتباس تحديدًا؛ لذلك بدا لي من الضروري التوقف عند هذين المفهومين، قبل الانتقال إلى سؤال آخر أكثر إزعاجًا: متى تكون اللغة إضافة إلى السرد، ومتى تتحول إلى بديل عنه؟
ثمة خلط شائع في النقاشات الأدبية بين مصطلحي الشعرية والشاعرية، مع أنهما ليسا مترادفين.
تتعلق الشاعرية بجمال اللغة وثرائها العاطفي والبلاغي؛ أي بالطاقة التعبيرية للجملة نفسها، وبما تحمله من صور واستعارات وإيقاع وموسيقى داخلية.
أما الشعرية فهي مفهوم أوسع من ذلك بكثير؛ إذ تتصل بالكيفية التي يُنتج بها النص أثره الجمالي ودلالته الفنية، سواء تحقق ذلك عبر اللغة أم عبر البناء السردي أو الرموز أو الإيقاع أو العلاقات بين العناصر المختلفة داخل العمل.
فلو كتب أحدهم:
“كانت السماء تبكي فوق المدينة، وتنساب الدموع البيضاء على وجوه النوافذ الحزينة.”
فهذه جملة شديدة الشاعرية بسبب كثافة الصورة والاستعارة.
أما إذا كتب:
“عاد إلى بيته بعد عشرين عامًا فوجد المفتاح ما زال في مكانه خلف النافذة.”
فهذه جملة بسيطة جدًا، تكاد تخلو من الزخرفة، لكنها قد تمتلك شعرية عالية داخل سياق سردي؛ لأنها تفتح أبوابًا واسعة للذاكرة والغياب والزمن والفقد دون أن تصرح بها.
الشاعرية إذن خاصية لغوية في المقام الأول، أما الشعرية فهي خاصية فنية تتعلق بطريقة اشتغال النص كله.
ومن هنا تنشأ كثير من حالات سوء الفهم في النقاشات الأدبية؛ إذ يُنظر إلى كثافة اللغة بوصفها دليلًا على شعرية النص، بينما قد تكون مجرد شاعرية لغوية لا يساندها بناء سردي متماسك.
فكلما وُجّه نقد إلى نص مثقل بالوصف والتأملات والاستعارات، سارع بعض القراء إلى الدفاع عنه بحجة أنه نص حداثي أو نص شعري، وكأن الشاعرية أصبحت حصانة نقدية تعفي العمل من مساءلة بنيته السردية.
والحقيقة أن المشكلة ليست في الشاعرية ذاتها، فلا أحد ينكر أن اللغة الجميلة تضفي على النص عمقاً وحساسية وجاذبية، كما أن كثيرًا من الأعمال الخالدة قامت على لغة عالية الكثافة والإيحاء.
السؤال الذي ينبغي طرحه دائمًا هو: ماذا تفعل هذه اللغة داخل النص؟ هل تخدم السرد أم تحل محله؟
القصة بناء قائم على حدث وشخصية وصراع وتحول… وحين يضعف أحد هذه العناصر، يلجأ بعض الكتّاب ــ بوعي أو من دون وعي ــ إلى تكثيف اللغة لتعويض ما ينقص البناء.
فتبدو القصة كمنزل فخم التشطيبات يخفي خلفه بنية غير متماسكة؛ إذ ينجذب القارئ أولًا إلى الزخرفة قبل أن يكتشف مواطن الضعف في الأساسات.
عندها تغدو الاستعارة بديلًا عن الحدث، والتأمل بديلًا عن الصراع، والانفعال المعلن بديلًا عن التطور النفسي الحقيقي.
ومن هنا ينشأ الوهم الشائع بأن النص المليء بالصور البلاغية نص عميق بالضرورة، بينما قد يكون العكس صحيحًا أحيانًا؛ إذ تتحول اللغة إلى ستار كثيف يحجب فراغ الحكاية.
وكلما ازدادت الجمل لمعانًا، قلت قدرة القارئ على ملاحظة هشاشة البناء الكامن خلفها.
إن السرد والشعر جنسان مختلفان في جوهرهما؛ فالشعر يحتمل الوقوف الطويل عند اللحظة الواحدة وقد يعيش عليها…
يستطيع الشاعر أن يكرّس قصيدة كاملة لارتعاشة يد أو ذكرى عابرة أو شعور خاطف، دون أن يُطالَب بحركة أو تطور أو نتيجة.
أما السرد فجوهره الحركة والتحول والزمن؛ إذ يقوم على انتقال الشخصيات من حالة إلى أخرى، وعلى تتابع الأحداث وتفاعلها.
وحين يطغى منطق الشعر على منطق السرد، فإن النص يخاطر بفقدان العنصر الذي من أجله وُجد: الحكاية.
إن السرد القوي لا يحتاج إلى أن يشرح مشاعر شخصياته باستمرار، فنحن لا نتأثر لأن الكاتب أخبرنا أن البطل حزين أو عاشق أو خائف!
نتأثر حين نرى الحزن والعشق والخوف يتجسد في الأفعال والقرارات والخسارات والتحولات.
الأدب العظيم يجعلنا نشعر حين يخلق أسبابه داخل النسيج السردي.
ولهذا أرى المبالغة في الشاعرية كثيرًا ما تؤدي إلى نتيجة عكسية، فبدلاً من تعميق التجربة، تُبطئ الإيقاع وتضعف التوتر الدرامي وتُغرق الحدث في بحر من التأملات.
ويبدأ القارئ مع الوقت بتذكر الجمل أكثر مما يتذكر الشخصيات، ويتذكر الصور أكثر مما يتذكر الحكاية.
الشعرية الحقيقية تلك التي تجعل اللغة شفافة إلى الحد الذي نرى من خلالها الإنسان وتجربته وصراعه… أما حين تصبح اللغة بطلة النص الوحيدة، فإن السرد يفقد مبرر وجوده شيئًا فشيئًا.
لذلك أرى أن قيمة النص السردي تُقاس بقدرته على تحقيق التوازن بين اللغة والحكاية.
فاللغة هي أداة السرد الأهم، لكنها ليست السرد نفسه، وعندما تتحول الأداة إلى غاية، يبدأ الأدب بخسارة أهم ما يملكه؛ يخسر قدرته على رواية قصة تبقى حية في الذاكرة بعد أن يخفت بريق الكلمات.



