تدوينات

الذات وصناعة الحضور الاجتماعي

محمد بن مسعود العُمري
لم يعد الحديث عن تراجع بعض ملامح الشعر الشعبي الأصيل مجرّد مبالغةٍ يرددها المحافظون على الذائقة القديمة، بل أصبح واقعًا يتبدّى بوضوح في كثيرٍ من المجالس والقروبات، حيث أخذت القصيدة تنزاح تدريجيًا من فضاء الفن القائم على الصورة والمعنى والتجربة، إلى خطابٍ يوميٍّ يقترب من التكرار أكثر مما يقترب من الإبداع، وتغذّيه في أحيانٍ كثيرة المجاملة والرغبة في صناعة حضورٍ سريع ومؤقت.
وفي المقابل، يظل الشعر الشعبي الأصيل بما يحمله من صدق الصورة وعمق التجربة وارتباطه بالبيئة والوجدان، شاهدًا على مرحلةٍ كانت فيها الكلمة أكثر التصاقًا بالمعنى، وأشد حضورًا في الذاكرة الجمعية، وأبعد عن الاستهلاك والتكرار.
وفي خضم هذا التحوّل، تتكشف جملةٌ من التغيرات الاجتماعية والثقافية التي أعادت تشكيل مفهوم الحضور لدى بعض الأفراد؛ إذ لم يعد السعي موجّهًا نحو الأثر الحقيقي أو الإنجاز الصادق، بقدر ما أصبح منصبًّا على تثبيت الذات في فضاءات التفاعل والانتشار، وتكثيف الظهور في المجالس والمنصات. ومن هنا تتشكل أنماطٌ من الاستعراض الهادئ حينًا، والمبالغة في صناعة الحضور حينًا آخر، حتى يغدو الحضور غايةً قائمة بذاتها، تتقدّم على القيمة وتزاحم المعنى.
وتظهر بعض صور الاستعراض بوصفها سعيًا لتثبيت الذات داخل المشهد الاجتماعي، غير أن هذا السعي لا ينطلق من وعيٍ نقدي أو أثرٍ حقيقي، بل يتشكل في الغالب عبر الاندفاع الاجتماعي وتقليد الآخرين ومجاراة النمط السائد، حتى يغدو الاستنساخ وسيلةً متوهمة لإثبات الحضور، لدى من يظن أن تكرار ما يفعله السابقون كفيل بصناعة ذاتٍ مشابهة لذواتهم.
وقد أشرتُ في مقالاتٍ سابقة إلى بعض هذه المظاهر، ومنها ما يتصل بطبيعة المجالس الحديثة وما يرافقها من توثيقٍ بصريٍّ وتداولٍ واسع، غير أن هذه الظواهر لم تعد محصورة في نطاقٍ محدود، بل اتسعت دائرتها في بعض البيئات الاجتماعية، وأثّرت بصورةٍ ملحوظة في طبيعة التلقي، وفي مستوى الذائقة العامة التي تتشكل عبر التكرار أكثر مما تتشكل عبر التميّز.
وليس المقصود هنا الانتقاص من صور الكرم أو اللقاءات الاجتماعية، فهي من القيم الراسخة التي يُعتدّ بها ويُشكر أهلها، غير أن الإشكال يبرز حين تتحول بعض المجالس إلى نمطٍ متشابه يكاد يستنسخ تفاصيله من ليلةٍ إلى أخرى؛ حيث تتقارب المشاهد، وتتكرر الأدوار، ويعاد إنتاج اللحظة ذاتها في صورٍ متعددة لا تغيّر من جوهرها شيئًا.
وفي مثل هذه البيئات يظهر خطابٌ مرتجل يُقدَّم أحيانًا في هيئة الشعر أو الأدب، بينما هو في جوهره أقرب إلى الحديث العابر الذي يستمد حضوره من لحظته وتفاعله، لا من بنيته الفنية أو عمقه الدلالي. ومع تكرار هذا النمط، يكتسب شيئًا من الاعتياد، حتى يغدو جزءًا من المشهد اليومي في القروبات والمجالس على حدٍّ سواء.
كما تتحول بعض تلك المناسبات إلى مساحةٍ رحبة لتبادل المجاملات وتأكيد الحضور الاجتماعي، سواء عبر الإشادة أو التغطية أو إعادة النشر، فتتشكل دائرةٌ من المحتوى المتشابه الذي يختلف في الأسماء والظروف، لكنه يلتقي في بنيةٍ واحدة وإيقاعٍ متكرر، يعيد إنتاج نفسه بصورٍ متعددة.
ومع امتداد هذا النمط، قد يتسلل في بعض السياقات توظيف الانتماءات الاجتماعية على نحوٍ غير واعٍ، بما في ذلك الانتماءات القبلية، حيث تتحول لحظات الحضور والمجاملة أحيانًا إلى مساحة لإبراز التفاضل أو التعزيز الرمزي، بما قد يفتح الباب – دون قصدٍ مباشر – لبعض مظاهر التعصب أو تضخيم الفوارق الاجتماعية. وهو ما يتقاطع مع التوجيهات العامة التي تؤكد أهمية صون النسيج الاجتماعي، والابتعاد عن كل ما من شأنه تغذية العصبيات أو إعادة إنتاجها في الخطاب العام.
ومع مرور الوقت، يتكرّس هذا التماثل في الخطاب، حتى يغدو التمييز بين التجارب المختلفة أمرًا غير يسير، لا بسبب ضعفٍ فردي بقدر ما هو نتيجة غلبة النمط المتكرر على مساحة التعبير، وهيمنة الشكل على المضمون، وتقدّم الانطباع على المعنى.
وفي هذا السياق، يظل الإنسان محتاجًا إلى قدرٍ من الوقار وضبط النفس، وإلى وعيٍ يميّز به بين ما يُقال طلبًا للمعنى، وما يُقال لمجرد إثبات الحضور أو مجاراة المشهد. فالحلم هنا ليس ضعفًا، بل سلوكٌ واعٍ يتجاوز به المرء رتابة المشهد وتكرار أنماطه، ويصون به أثره وموقفه.
ومما يُستشهد به في هذا المعنى قول الشاعر مُضرّس بن رِبعي بن لقيط:

وَقُورٌ إذا ما الجَهلُ أعجبَ أَهلَه
ومِن خيرِ أَخلاقِ الرِّجالِ وَقُورُها

إذا قِيلتِ العَوراءُ ولّيتُ سمعَها
سوايَ ولم أسأَلْ بها ما دَبيرُها
وتناسيتُها والحلمُ منِّي سجيةٌ
وأنبأتُ نفسي أنّه لا يضيرُها

وفي نهاية المطاف، يبقى الحكم على الناس مرتبطًا بمواقفهم وأثرهم، لا بكثرة حضورهم أو تكرار أسمائهم، فالقيمة الحقيقية تُقاس بما يُخلّف من أثرٍ لا بما يُقال في لحظةٍ عابرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com