الموروث الشعبي بين الواقع والمتخيل .. مجموعة “مائل بخط الرقعة” أنموذجًا

قراءة بقلم: مريم الحسن
يحتوي السرد الذي يتكئ على الموروث الشعبي، على كمية هائلة من الغرائبيات والخطاب العجائبي؛ كونه رؤية تقودها المخيلة، وتقترن بالخوارق، ويصبح السرد بالنتيجة عند توظيفه لها متأرجحاً بين الواقعي والغرائبي. يسعى إلى كسر الواقع والانطلاق منه إلى عوالم اللامعقول للتعبير عن صراعات النفس البشرية وإثارة الحيرة والتردد لدى المتلقي.
ففي مجموعة “مائل بخط الرقعة” للقاص “كاظم الخليفة” الذي استعارت المجموعة عنوان أحد القصص داخلها لتعنون به المجموعة، نجد أن القصة فيه مؤطرة بالبعد العجائبي، كما في الحكاية الخرافية، فعالمها مليء بالإثارة والإدهاش كما هي الحكاية الشعبية في أصلها.

والحكاية الشعبـية، كما يعرّفها الباحث أحمد رشدي صالح، هي: «فنُّ القول التلقائي العريق، المتداول بالفعل، المتوارث جيلاً بعد جيل، المرتبط بالعادات والتقاليد. والحكاية هي العمود الفقري في التراث الشعبـي، وهي التي نطلق عليها مجازاً الأدب الشعبـي».
وبما أن ما كتبه القاص كاظم، في مجموعته من أحوال غرائبية ليس متخيلا فقط، بل هو في حقيقته متداولاً ومتوارثاً لأجيال، وينهل مادته من التراث الشعبي؛ كخرافات الجن وأم الصبيان، والوجبة المغلقة، وقصص القرين والأرواح الهائمة، وشخصية “وهب” العجيبة، وكذلك شخصية المرأة الدجالة “أم رزاق” واشتغالها من خلال العالم المادي والماورائيات وعلاج الناس بالدجل.
كل تلك الحكايا وظفها القاص في مجموعته مسقطاً إياها على الواقع المعاصر؛ كتعبير عن وجدان المجتمع المحلي الذي تحمل قضاياه وأحلامه من خلال انعكاسها على عاداته وتقاليده، وطقوسه التي مارسها في فترة من فتراته السابقة على عصرنا الحديث.
فتبعاً لرؤية “تودوروف” الذي يقول فيها: «إن العجيب هو ما يبعث التردد في القارئ وهو فوق الطبيعي الذي يثير ويرعب، أو على الأقل يجعل القارئ يقلق»، نجد أن الخروج عن المألوف بطبيعته يجعل المتلقي في حيرة بين التصديق أو التكذيب، ويشعر بأنه بين اليقظة والحلم.
وهذا ما نلمسه في هذه المجموعة القصصية، والتي ربما كان تركيز القاص على العجائبيات، رغبة منه في تدوين الحكايا وإفراغ ذاكرته لينقلها للأجيال اللاحقة، بغض النظر عن تصديقها أو اعتبارها مجرد “حزاوي” قديمة من تأليف الأجداد.
لذا، القارئ لمجموعة «مائل بخط الرقعة»، يدرك بشكل واضح أن الغرائبية تهيمن على شتى مكونات القصص؛ وتطال بعض الشخصيات وأغلب الأحداث كما يتمثل ذلك بشكل بارز في قصة “وهب”.
فهذه الشخصية، قام القاص فيها بالتركيز على الكثير من الأمور الغيبية والتي لا تخضع للحس والرؤية. وفيها ذلك المزيج المتناقض؛ كالحزن والفرح، العمل في مقابر دفن الموتى، وصالة الأفراح. الأحداث التي تظهره في القصة مفرطا في الحس، وتارة بالبلادة، شديد الإدراك من ناحية، وأخرى تمر عليه المصائب وهو لاهياً عنها.
لكن الثابت هو شخصيته الغرائبية، حينما أمتنع عن تأمل المرآة، مثلاً، وكان ذلك بعد وفاة والدته حتى لا تتلبسه روحها التي تتجول في غرف المنزل وتحوم حول البيت.
والمثل الآخر، هو رضوخه – أي وهب – لاستغلال “أم رزاق” له في أعمال الدجل التي تستخدم فيها الحيوانات كقرابين، بسبب غرابة شخصيته وقربه من الحيوانات عاطفيا.
أخيراً، فمعظم أفكار القصص في المجموعة، ينطوي على عالم واسع من الغرابة التي تجذب القارئ نحو الحكايات الشعبية، وترضي تطلعاته لمعرفة ما ينطوي وراءها من أسرار عجيبة، ونجد ذلك في أكثر من قصة. فبخلاف قصة وهب، نرى ذلك في قصة “اسطوريات لا يعوزها منطق” والتي قال فيها: «تروي جدتي أن منطقتنا كانت مأهولة بالجن، سكنتها قبل آدم وكانت منازلهم من أحجار ضخمة».
وكذلك في قصة عيد الميلاد حيث «غرس نخلة عند ميلاد كل طفل جديد»، و«أرواح الموتى التي تتلبس الإنسان». وليس بآخرها قصة “ثيوديسيا” أو الشر المقدس، وغير ذلك من القصص.
فكلها كتبت بلغة رزينة، ووصف شفاف وعميق، فلسفة تثير الأسئلة بقلم متمكن يحسن استخدام أدواته السردية.



