يحي جعفري عندما تكون العلاقات العامة أخلاقًا قبل أن تكون وظيفة

كتب حمد دقدقي
ليست المؤسسات العظيمة بما شُيّد فيها من جدران، ولا بما ازدحمت به المكاتب والأنظمة، وإنما بما يفيض في جنباتها من أرواح الرجال. فهناك من يحضر إلى عمله موظفًا يؤدي واجبًا، وهناك من يحضر رسالةً تمشي على قدمين، فإذا غاب افتقدته الممرات قبل الوجوه، وسألت عنه المكاتب قبل الأسماء. ومن هذا الطراز النادر يطل الأستاذ يحيى جعفري، أحد الوجوه الإدارية المشرقة في شركة المياه الوطنية، ورجلٌ آمن بأن الوظيفة ليست مقعدًا يُشغل، بل قيمةٌ تُمارس، وأثرٌ يبقى بعد انقضاء الأيام.
إنك لا تبحث عنه طويلًا؛ لأن حضوره يسبق اسمه، وأثره يسبقهما معًا. تراه في الصفوف الأولى كلما دعت المبادرات إلى رجالها، وكأن المسؤولية موعدٌ بينه وبين الضمير، لا بينه وبين التكليف. يتحرك بهدوء الواثق، ويعمل بصمت المخلص، فلا يلتفت إلى الأضواء، لأن همه أن يرى العمل وقد اكتمل، وأن يغادر الناس وهم أكثر رضًا وطمأنينة.
وفي عالمٍ تتزاحم فيه المعاملات، ويضيق فيه الوقت، تظل الابتسامة عملةً نادرة، لكنه جعل منها عنوانًا دائمًا لشخصيته. يستقبل الجميع بوجهٍ يشيع الألفة قبل الكلام، ويمنح من يقصده شعورًا بأن حاجته ليست رقمًا في ملف، بل أمانةٌ في ذمته. فإذا سألته، أجاب بعلمٍ ودقة، وإذا استعنت به، لبّى بسرعةٍ تُشعرك أن خدمة الناس ليست بندًا في وصفه الوظيفي، وإنما خُلقٌ استقر في وجدانه حتى أصبح جزءًا من هويته.
ولعل أعظم ما يميزه أن الوفاء عنده ليس شعارًا يُرفع، بل سلوكٌ يُرى. وفاؤه لمؤسسته، وزملائه، ورسالة عمله، هو الذي جعل اسمه حاضرًا في كل دائرةٍ وقسم، تتناقله الألسن باحترام، وترويه التجارب شاهدًا على أن الأخلاق لا تزال قادرة على أن تصنع المكانة، وأن حسن التعامل لا يزال أقوى من كثيرٍ من الألقاب.
إن بعض الرجال يتركون خلفهم ملفاتٍ تُغلق بانتهاء أعمالهم، وآخرين يتركون ذكرًا طيبًا يظل مفتوحًا في ذاكرة كل من عرفهم. ويحيى جعفري من أولئك الذين يكتبون سيرتهم بالأفعال لا بالأقوال، ويغرسون في بيئة العمل معنى الإنسانية قبل الإجراءات، حتى يغدو وجودهم مصدر طمأنينة، ويصبح اسمهم مرادفًا للثقة، وعنوانًا للاحتراف، وصورةً مشرقةً للمواطن الذي أدرك أن خدمة وطنه تبدأ من إتقان أصغر التفاصيل.
وحين تُذكر المؤسسات الرائدة، فإن من الإنصاف أن تُذكر معها الوجوه التي منحتها روحها، وأن يُحتفى بالرجال الذين لم ينتظروا التصفيق ليواصلوا العطاء، لأنهم أدركوا أن أعظم المكافآت هي أن يرحل الإنسان آخر النهار وقد ترك في قلب إنسانٍ آخر أثرًا جميلًا، وفي سجل وطنه صفحةً بيضاء لا يطويها الزمن.
وهكذا يمضي الأستاذ يحيى جعفري، لا باحثًا عن مجدٍ شخصي، بل صانعًا لمجدٍ مهني يتسع للجميع؛ نموذجًا وطنيًا يُثبت في كل يوم أن الإخلاص لا يشيخ، وأن الوفاء لا تغلبه الأيام، وأن المؤسسات تبقى قويةً ما دام في أروقتها رجالٌ يحملون القيم كما يحملون المسؤوليات، ويجعلون من العمل عبادة، ومن الابتسامة رسالة، ومن الإنسان أجمل ما في المكان.



