تدوينات
صيف السعودية سياحة وروحانية

محمد بن مسعود العُمري
في فصل الصيف، تتجه الأنظار إلى السياحة الداخلية في المملكة العربية السعودية، حيث تتعدد الوجهات، وتتباين الطبيعة، وتلتقي في كل منطقة ملامح الجمال بخصوصية المكان وكرم أهله. ولم تعد السياحة في بلادنا مجرد انتقال من مدينة إلى أخرى، بل أصبحت تجربة متكاملة؛ طبيعةٌ تُرى، وثقافةٌ تُعاش، وذكرياتٌ تُصنع.
فإن قصدت منطقة الباحة، فمرحبًا بك في أرضٍ اعتادت أن تستقبل ضيوفها بعبارة أهلها المحببة: «مرحبًا هيل عدّ السيل»؛ حيث الجبال الخضراء، والغابات، والمرتفعات، والأجواء التي يجد فيها الزائر ملاذًا من قيظ الصيف، فضلًا عن كرم أهلها وما يعرضونه من منتجاتهم الزراعية ومأكولاتهم الشعبية التي تحمل نكهة المكان وخصوصيته.
وإن اتجهت إلى منطقة عسير، فـ«لا عسيرًا في عسير»، ومرحبًا بكم في أبها البهية، عاصمة المنطقة، حيث تستقبلك الجبال الشامخة، وتتعانق قممها مع السحاب، وتغطيها الغيوم، وتهطل الأمطار فتزداد الأرض بهاءً وخضرة. وهناك تتحدث الطبيعة عن نفسها، ويعيش الزائر تفاصيلها على أرض الواقع؛ وما نشاهده من صور ومقاطع متداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي ليس إلا جانبًا مما تزخر به المنطقة من جمالٍ أخّاذ. ولا تقف روعة عسير عند طبيعتها، فأهلها جزءٌ أصيل من هذا الجمال؛ تسمع الترحيب قبل أن تسأل، وتجد كرم الضيافة حاضرًا، وتشاهد منتجاتهم الزراعية، وتتذوق تنوع مأكولاتهم الشعبية التي تحمل نكهة المكان وخصوصيته.
وإذا اتجهت غربًا، فهنا تتغير الوجهة ويتغير معها المقصد؛ مكة المكرمة مقصد القلوب، وإلى بيت الله الحرام تتجه الأرواح قبل الأجساد، وفي رحابها يجد المسلم سكينةً لا تشبهها سكينة، ثم تمضي إلى المدينة المنورة، حيث مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتغدو الرحلة رحلة روح وطمأنينة، ومقصدًا تتجدد فيه مشاعر المحبة والسكينة.
أما جدة، فلها حكاية أخرى؛ مدينة البحر، ونسائمها، وشواطئها الممتدة، ومشهد الغروب على مائه، وحركة الحياة التي لا تهدأ. فيها يلتقي البحر بالتاريخ، وتلتقي الأسواق الحديثة بذاكرة جدة القديمة، ويجد الزائر في أجوائها ما يناسب الباحث عن الراحة والاستجمام، كما يجد فيها من تنوع المطاعم والمقاهي والأنشطة ما يجعلها وجهة صيفية مختلفة.
وهكذا، لا يحتاج السائح في صيف المملكة إلى أن يبحث بعيدًا عن وجهته؛ فبلادنا تمتلك من التنوع الجغرافي والمناخي والثقافي ما يجعلها وجهةً سياحية متكاملة داخل حدودها. من جبال الجنوب وسحابها ومطرها، إلى البحر في الغرب ونسائمه، ومن رحاب مكة والمدينة بما تحمله من قدسية ومكانة، إلى مختلف مناطق المملكة التي لكل واحدة منها طبيعتها وخصوصيتها وحكايتها.
ولعل أجمل ما في السياحة في بلادنا أن الزائر لا يعود بصورةٍ التقطها، أو مكانٍ شاهده فحسب؛ بل يعود بتجربةٍ عاشها، وكرمٍ لمسه، وطعامٍ تذوقه، وعبارة ترحيبٍ بقيت في ذاكرته.
فالسعودية في صيفها ليست وجهةً واحدة، وإنما وجهاتٌ متعددة في وطنٍ واحد؛ وفي كل وجهة حكاية، وفي كل منطقة جمال، وفي كل طريقٍ أهلٌ يقولون للضيف، بصدقٍ يسبق الكلمات: مرحبًا بكم في السعودية.



