مقالات

أمريكا على طرفي نقيض

مع إنطلاقة بث تلفزيون الباحة في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينات الميلادية وهي فترة ترافقت مع مرحلة المراهقة وأحلامها الوردية، أخذتني الدهشة وأنا أرى روعة وجمال حياة الريف الأمريكي.. الغابات، الأنهار، الجبال، الموسيقى، والصحاري الملونة. وأيضا بهرتني المدن الأمريكية وإتساع شوارعها، وأناقة مبانيها، وابتسامات فتياتها الجميلات. كل تلك المُتع والمناظر الجميلة عشتها من خلال  المسلسلات التلفزيونية الأمريكية؛ ليتل هاوس، أبطال فرجينيا، آدمز، شيبس، ستيف أوستن، وملفات روكفورد، والتي كانت تُبث على شاشة التلفزيون السعودي.
إنتهت رحلتي الحالمة، ولم أتمكن من القبض على شيء من أمنياتي والوصول إلى أرض الكولا والتبغ، والعيش متلذذا بعالمها الغني بالحياة والجمال والحرية.
وبدأت مرحلة النضج وواقعها المؤلم ، والتي عرفتني على الوجه الآخر لأمريكا. وكانت البداية مع قصة الهنود الحمر، وهم المستوطنون الأوائل لأمريكا، والإنسان الأسود المكبل بقيود العبودية، وما حدث لهم على الأرض الأمريكية من إنهاء وإفناء، وعناء وشقاء على يد الرجل الأبيض.
فاضت قوة ذاك الرجل وتخطت إلى الخارج، فقام بتدمير وتخريب مدينتي هيروشيما وناجازاكي اليابانيتين وقتل أعداد مهولة من سكانها بعد أن أسقط عليهما قنبلتين نوويتين، وأيضا سلخ جلود الأطفال الفيتنامين بالنابالم الحارق، وأحرق القرى والمزارع من غير ذنب ولا خطيئة.. وكان البث التلفزيوني المباشر عبر cnn لحرب العراق  ومآسي العراقيين أخر مشاهد وحشيته.
ملأت عقلي الحيرة عن حقيقة أمريكا وفي أي طرف تكون!..  ففي جهة عانى العالم من بأس الأمريكان وجبروتهم.. وفي الأخرى  يلمس مساهماتهم وجهدهم الكبير والنوعي في تسهيل حياة البشر بمكتشافاتهم المذهلة ومخترعاتهم الرائدة، ورأى الكتاب والصحفيون والفنانون والسياسيون والمواطنون الأمريكيون، وهم يتظاهرون ضد العنف والقتل والحرب، وكذلك النشطاء والحقوقيون وهم يطالبون بمساعدة الفقراء والمظلومين والمحرومين والمشردين في شتى أنحاء العالم، وأيضا رأها وهي ترحب  وتستقبل الغرباء في جو من الحرية المثالية التي تفتقدها الكثير من دول العالم وتتقبلهم وتقيل عثراتهم.
إننا أمام صورتين متناقضين لهذه الدولة الغريبة والمتعددة الوجوه.. تاريخ من العنف الأسود، وحاضر يشير إلى مستقبل غامض.. وعالم من الغنى المعرفي والحضاري والإنساني.
إنها إمبراطورية الظل والنور التي تدور بين فلكي الإحياء والإماته.

مقال : محمد جبران

تعليق واحد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com