قراءة في رواية “أحجار في قارعة الطريق” للغريبي

الرواية وثيقة أدبية تؤرخ لمرحلة مهمة عاشها المجتمع السعودي
قراءة: هاني الحجي
ارﺗﺑط اﻷدب السعودي برصد التغيرات التي طرأت على المجتمع، وﻛﺎﻧت اﻟرواﻳﺔ أﺣد اﻷﻧواع اﻷدﺑﻳﺔ، التي وثقت اﻟﺗﻐيرات اﻟﺗﻰ طرأت على المجتمع ومقياسًا حدد تحولاته
يقول الناقد والروائي إبراهيم منصور: ” إن السردية الثقافية في الرواية، تؤدي دورًا مهمًا في إعادة تشكيل الذاكرة الجمعية للمجتمع، فهي لا تتناول فقط ما يحدث في الوقت الحاضر، بل تمتد غالبًا إلى الماضي لعرض أحداث وتواريخ مؤثرة، فيستخدم الماضي ليُبرز أحداثًا مهمة في تاريخ المجتمع أو لحظات حرجة في التغيرات الثقافية، وهذا الأمر يساعد على فهم أعمق للهوية الراهنة، وهذا الاسترجاع للماضي من خلال الشخصيات والأحداث يمنح الرواية قوة تاريخية”
تعد رواية (أحجار في قارعة الطريق) إحدى هذه الأعمال الروائية التي وثقت لحقبة تاريخية اجتماعية عاشها المجتمع السعودي.
حينما حضرت الأمسية التي أقامها نادي الكتابة الإبداعية شغفنا في مكتبة تشكيل لقراءة (رواية أحجار في قارعة الطريق) للأديب سعد الغريبي، تساءلت بعض الحاضرات من الشابات: هل أحداث الرواية واقعية؟، وفعلًا وكان هذا وضع مجتمعنا قبل التحول الذي يعيشه في رؤيته الوطنية الجديدة؟

هذا التساؤل من جيل الشباب أوضح أهمية الرواية كوثيقة أدبية تؤرخ لمرحلة اجتماعية عاشتها المرأة وتنقل أحداثها للأجيال الحالية والقادمة مدى التحول الذي تحقق في مجتمعهم، وبرأيي كقارئ أنها من الروايات التي تستحق تحويلها لعمل درامي لتكون شاهدًا على مرحلتها ووثيقة للأجيال المتعاقبة.
نبدأ بعتبة الرواية – العنوان – والذي أثار نقاشًا عند متلقيها لماذا أحجار في قارعة الطريق وليس أحجار على قارعة الطريق؟! ويبدو أن الكاتب تعمد العنوان لأنه يرى أن الأحجار وضعت عمدًا لتكون عائقًا يمنع المرأة من المساهمة في بناء مجتمعها، ولا تكون جزءًا من طريق بناء المستقبل لأن الحجارة على قارعة الطريقة تكون طبيعية وغير مقصودة.
تبدأ أحداث الرواية بلقاء يجمع ثلاث طالبات تخرجن من الجامعة إيمان ونادية شخصيتان فرعيتان في الرواية توقف طموحهما بعد التخرج بالزواج والعمل وهما تمثلان الصورة النمطية للمرأة في تلك الفترة لكن الشخصية الثالثة في الرواية (عبير) كانت متمردة على الواقع الذي يحاول المجتمع فرضه عليها ورفضت أن تكون امرأة تقليدية لديها طموح في مواصلة تعليمها وتحديد مستقبلها، ولم تستلم لمفاهيم المجتمع وساعدها في تحقيق طموحها الأسرة التي تنتمي إليها والدها ووالدتها وأخيها.
رفضت الزواج التقليدي من ابن عمها لأجل تحقيق طموحاتها في الدراسة، وكانت هي الشخصية المحورية والمحركة لأحداث الرواية رصد من خلالها الراوي أوضاع المرأة في المجتمع، ومحاولة الخروج من الزنزانة التي تم وضعها فيها، والظروف التي كانت تعيشها، والتحولات التي مرت بها والصعوبات التي واجهتها على مستوى وجودها الاجتماعي وتعليمها وخياراتها فيما يتعلق بالزواج من داخل وخارج بيئتها.
تناولت الرواية الاستفادة من فرص الابتعاث، وعودة جيل جديد من الطالبات المتلبسات بثقافة تختلف عن السائد الاجتماعي، وحاولن إعادة صياغة مفاهيم جديدة للمرأة تواكب التطورات والنهضة التي تعيشها البلاد على الصعيد الاقتصادي والتعليمي والانفتاح الثقافي من خلال شخصية (عبير) المبتعثة، والتي حصلت على أعلى شهادات الدراسات العليا في الغرب وعادت لتلعب دورًا مهمًا سواء في المحيط الأكاديمي الذي عملت فيه بعد عودتها من الابتعاث، أو من خلال الاجتماعات النسائية التي أنشأتها في الاستراحات والأندية النسائية، أو في محاولتها إعادة تشكيل الوعي المجتمعي للمرأة بما ينسجم مع ما تعلمته في دراستها بالخارج في إشارة إلى أن المرأة هي التي تساهم في تغيير المفاهيم الاجتماعية تجاهها.
من جانب آخر تناولت الرواية موقف المجتمع والأسرة من ابتعاث المرأة من خلال شخصيتين (والد عبير) الذي كان مؤيدًا لتعليم ابنته وابتعاثها بل سافر معها كمحرم في بداية دراستها، وهو هنا يمثل نموذج لبداية التحول في المفاهيم الاجتماعية عند الأسرة السعودية لقبول دراسة الفتيات في الخارج، وبين شخصية (عمها) الذي رفض ابتعاث بنت أخيه وأراد أن يزوجها لابنه، وهو يمثل الفكر التقليدي الذي يريد المحافظة على المفاهيم المتوارثة (بأن البنت ليس لها إلا البيت والزواج من ابن عمها)،

لم يكن هناك صراعًا في الرواية بين الرأيين فالأب اتخذ قراره بتعليم ابنته في الخارج، ولم يكن أمام العم إلا الاستسلام لرغبة أخيه والصمت.
وصفت الرواية في جانب منها مظاهر التغير في المجتمع نتيجة الطفرة الاقتصادية التي بدأ يشهدها المجتمع في المناسبات وحفلات الزفاف على لسان عبير
“وحضرت زفاف اخيها فيصل ورأت مظاهر البذخ والمباهاة الكاذبة وشاهدت مظاهر الاسراف في المشروبات والطعام والحلويات بما يخالف ما أمر به الدين”
“بل لاحظت أكذوبة أننا مجتمع له خصوصيته وعاداته وتقاليده المستقاة من تعاليم الدين”
“عادت عبير الى كارديف وهي تحمل صورة قاتمة عن المجتمع السعودي الذي ابتعدت عنه سنوات طويلة”
و تصف الرواية المجتمع السعودي في منع الاختلاط بين الجنسين والعادات في الزواج للخطوبة من خلال حديث عبير لزميلها محمد نذير وهو طالب دراسات عليا مسلم من أصول هندية ألتقت به في دراستها ببريطانيا تقدم لخطبتها وتم رفضه لأنه ليس من جنسيتها.
“لن تخجل من أن تقول إن أسرتها لم توافق على زواجها منه لا لشيء إلا لأنه أجنبي وأنها تحترم قرارات أسرتها ومجتمعها، ولا طاقة لها بالخروج على قواعده وأنظمته”
مما لفتني في شخصيات الرواية رغم أن الكاتب رجل إلا أن صورة الرجل جاءت خارج النسق فهي أما الشخصية المستبدة الطماعة الجشعة كما هو شخصية عم عبير الذي كان يريد عضلها لابنه ومنعها من الابتعاث وبعد وفاة أخيه حاول أن يستولي على إرثهم بطرق ملتوية، لولا وعي عبير بشخصية عمها، وشخصية أخ عبير الشاب الذي حاولت اصطحابه إلى لندن اثناء دراستها ليتعلم ويتفتح ذهنيًا وعرفته على زميلها محمد نذير، وكان يجمعهم لقاء مشترك على طاولة واحدة إلا أنه يظل متأثرًا بالعادات الاجتماعية ويقف في وجه زواج اخته من مسلم أجنبي، بل منعها من السفر للخارج وهو الأصغر سنًا منها، والصورة الثالثة للرجل جاءت في زوج عبير الطبيب المتعلم الذي تزوجته لأنه يمثل بطريقة عصرية إلا أنه صدق الاشاعات التي بثت عنها من المتشددين، وما كتبته الصحف في لقائها مع زميلاتها بالاستراحات وعاد ذلك الرجل الشرقي المتهور الاندفاعي بدون أن يتفهم موقفها!
الصورة الرابعة السلبية للرجل هو صالح زوج إيمان، وهو مرشح للابتعاث وتزوج لأن أمه أرادت تزويجه قبل الابتعاث خوفًا عليه من بنات إبليس !
(والد عبير) كان هو الشخصية المتزنة والإيجابية لكنه يموت لتكمل عبير مشوارها في مواجهة المجتمع وسلطة الرجل منفرده تغييب الأب ربما ليشير الكاتب أن نجاح المرأة كان بوعيها
بعد صدامات ومواقف وأحداث كثيرة تمر بها (عبير) مع المجتمع وآخرها تجربتها بالزواج عبر وسائل التواصل من دكتور تكتشف فيه عقلية الرجل الشرقي تقرر أن تعود للهجرة، ولكن تصدم بمصادرة أخيها لحريتها وقرارها ومنعها من السفر!
لكنها تقرر الاستمرار في إزالة الأحجار من قارعة الطريق لتمهده للأجيال القادمة
“لقد قررت أن أزيل الأحجار التي تعترض الطريق ولو بسواعدي، وبمفردي، فلعل أحدا ينتبه لما أفعل، فتدب في قلبه الغيرة والحمية فيهب لمساعدتي”



