مقالات

بوابة النضج والحكمة

صفاء الأحمد

على لسان وليد مسعود في رواية البحث عنه، يضع جبرا إبراهيم جبرا واحدة من أكثر الجمل انكشافًا على النفس البشرية:
“نحن ألعوبة ذكرياتنا، مهما قاومنا؛ خلاصتها وضحاياها معًا.
تسيطر علينا، تحلي المرارة، تراوغنا، تُذهب أنفسنا حسرات، عن حقّ أو غير حقّ.”

جملة تُشبه مشرطًا دقيقًا يشقّ الغشاء الرقيق بين الماضي والحاضر، لتُظهر أن الإنسان لا ينفلت أبدًا من ذاكرته.
يعلق فيها، ويعلّق عليها، ويعيد تدويرها في وعيه.

لطالما شدّني حديث كبار السن عن ذكرياتهم؛ لم أفهم وقتها لماذا يتشبثون بالماضي أكثر من تشبثهم بما تبقى لهم من أيام.
ظننت أنهم يفعلون ذلك لأن القادم بات ضيقًا، ولأن ما فات أوسع من أفق ما هو آتٍ.
حتى أدركت بمرور الوقت أن استدعاء الذكريات علامة تحرر داخلي تسمح للإنسان بأن يفرز حياته القديمة: ما يُؤذي، وما يُبهج، وما يستحق أن يبقى.
والقدرة التي يصفها علم النفس المعرفي بإعادة الإطار؛ حين يتبدل معنى الحدث مع تكرار الحدث ذاته، فيغدو الألم درسًا، والخطأ علامة طريق، والجرح جزءًا من المعمار العميق للذات.

أذكر آخر جلسة طويلة لي مع أستاذ لغة عربية جاوز السبعين يومها -رحمه الله- كان حديثه عن مؤلفاته ومحاضراته أشبه بمحاولة رجل يفكّك حاضره ليُثبت أن داخله ما زال حيًا.
لم يمجد ماضيه!
كان يصالح نفسه مع الدائرة التي ما زالت تدور فيه، ليُشعرني أن الماضي طبقة نفسية تظل فوق سطح الوعي مهما تراكم فوقها من أيام.
وهذا ما يفعله الأدب العظيم،
من جبرا إلى بروست، تتحول الذكريات إلى نصوص داخل النص؛ تُستدعى لفهم المسار المتكرر للنفس، وتفكيك الطريقة التي تعيد بها التجاربُ القديمة تشكيل ملامح الإنسان كلما عاد إليها على هيئة سرد أو استبصار.
بروست مثلًا، جعل من قطعة مادلين نافذة تُعيد صياغة طفولته بأكملها.
وجبرا كان يسمح لشخصياته بأن تستدعي تجاربها عبر كلمة أو نظرة أو حدث صغير، ثم يبني على ذلك طبقات من الوعي.

يتعلق استدعاء الماضي بكونه جزءًا أصيلًا من دورة الإنسان النفسية التي تعيد إنتاج ذاتها على نحو متوارٍ.
مهما تبدلت الأحداث، تعود في جوهرها لتغدو كل عودة إليها عبور جديد من زاوية أخرى.

ولعلّ أنقى تشبيه لهذه العملية أن الماضي أشبه بالمضاد الحيوي الذي يقتحم الجسد أول مرة فيرتبك ويقاوم، ثم يتعرّف إليه، ويحيله من جسم غريب إلى جزء من منظومته الدفاعية.
وكذلك الذكريات، تدخل حياتنا أول مرة بحدّةٍ، أو صدمة، وحين تعود باستدعاء جديد عن طريق لمحة، أو رائحة، أو مشهد، أو حتى صوت، تصبح خبرةً قابلة للفهم والمعالجة.
واستدعاء الماضي آلية بقاء تجعلنا نفهم الدورات المتكررة في حياتنا، دون أن نُسحق كل مرة تحت ثقل الدهشة الأولى.

ومن هنا يبدأ النضج الحقيقي،
حين ندرك أن الحياة لا تتكرر… لكن أنماطها تفعل.
وأن الماضي علاجًا يخفف شراسة التكرار، ويجعل الدائرة أقل قسوة في كل مرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com