مقالات

الجبة البيدية: دفء التراث وروح الباحة

عبدالحي إبراهيم الغبيشي

منذ أن كنت طفلاً، كنت أراقب الرجال من حولي في منطقة الباحة وهم يلبسون الجبة البيدية، وأشعر بعظمة هذا الزي التقليدي الذي يغلفهم دفئًا ويجعلهم يبدون وكأنهم جزء من الجبال التي تحيط بوديانهم. كان لون الصوف الأبيض يلمع تحت الشمس، وأشكال التطريز تروي قصص الطبيعة والحياة اليومية. كنت أستشعر الفخر حين أرى الرجال يحرصون على ارتدائها في الشتاء، وكأنها جواز مرور للانتماء والهوية.
لم تكن الجبة بالنسبة لي مجرد لباس، بل كانت رمزًا للتراث والحكمة والصبر الذي يعيشه أهالي المنطقة. ومع مرور الوقت، أصبحت أحب أن أتعرف على تفاصيلها، من الصوف إلى الخيوط، ومن التطريز إلى ألوانها الزاهية، لتصبح جزءًا من ذاكرتي ووجداني.

والواقع أن الجبُة لباس تقليدي شتوي يُعد أحد عناصر الموروث الشعبي وجزءًا من الهوية الثقافية لمنطقة الباحة. رداء خارجي فضفاض واسع الكمين، مفتوح من الأمام، يُلبس عادة فوق الثوب، ويصنع يدوياً من الصوف منذ زمن يمتد إلى العصر الجاهلي.

تسمية “الجُبة” مرتبطة بشكل التضاريس، مثل الجبال والجُب، ولها عدة أسماء. من أشهرها الجبة البيدية، نسبة إلى قرى ريف وادي بيدة، وخاصة “أبيدة”، أحد أهم المواقع التي أنتجتها. وهو واد زراعي، ويشتهر أكثر بالرمان، إضافة إلى الرعي؛ فبيئته الرعوية توفر الدفء، وقريبة من معشوقة وبادية غامد، بيئة صالحة لتربية الأغنام مصدر الصوف. فالعلاقة وطيدة بين هذه المهنة وصناعة السدو وطبيعة المكان. علمًا بأن صناعة الجبة موجودة في كثير من قرى غامد وزهران.

كما عرفت الجبة باسم “الكسا”، وذكرها الشنفري في شعره عندما كان نازلًا في بني سلامان من وادي بيدة، حيث شهد مصرعه، فقال:
“وإني لأهوى أن ألفّ عجاجتي
على ذي كساء من سلامان أو برد”

وورد ذكرها أيضًا عند امرؤ القيس باسم “البجاد”، عند وصفه جبل ثبير تحت غزارة المطر:
“كأنه ثبيراً في عرانين وبَلة …كبير أناس في بِجادٍ مزملِ”
ووصف في غاية الدقة تأثير الجبة بالماء، إذ تلتصق بالجسم حتى يصبح شكلها كالجبل أو الجماد المنتصب، ولذلك يتجنب الناس ارتداءها وقت هطول الأمطار.

وعرفت عند العرب منذ القدم باسم “العباه”، إلا أن مسمى العباه في المنطقة يختلف، فهو عبارة عن رداء كبير وسميك من السدو يُستخدم كفراش ولحف وقت البرد. وكانت العباه في الماضي من أهم مقتنيات بيت الزوجية، وواحدة من شروط مهر العروس. تصنع العباه من صوف الأغنام، وتخضع لنفس مراحل صناعة الجُبة.

أما صناعة الجبة والعباه فتقوم بها النساء بشكل خاص، وتتمر بعدة مراحل: ابتداءً من جز الصوف من الأغنام، ثم غسله وتنظيفه من الشوائب وتجفيفه، يلي ذلك مرحلة النفش وطرق الصوف، ثم مرحلة “اللمة” أو “العمت”، وبرم الخيوط بالمغزل على شكل خيوط متصلة. بعد ذلك تبدأ عملية المد، ويُعمل السدو لصناعة الجبة من قطعتين. بعد الانتهاء من السدو، يقوم الرجال بشبكها وخياطتها وتطريزها، وإضافة أشكال مثلثة مستوحاة من الطبيعة، وبعض أجزاء الجبة تُصبغ بألوان طبيعية، ويُضاف لها زخارف على هيئة ساق الغراب.

أما الألوان، فاللون الأبيض هو لون الصوف السائد، بينما يكون البني المحمر أغلى نتيجة ندرته، ويأخذ من أغنام خاصة لونها بني. واللون الأسود نادر وقد يُصنع من وبر الماعز. ويصل وزن الجبة إلى حوالي خمسة عشر كيلوغرامًا، وكلما كانت أخف كانت أكثر جودة واتقانًا. هناك أيضًا الجبة القصيرة المخصصة للنساء، وتتكون أدوات الغزل من أربعة عيدان مربعة تعرف باسم “الصنعة” أو “المسادي”، بالإضافة إلى المنفاش والمغزل.

للجبة البيدية قيمة اجتماعية كبيرة، وتعد من أهم أزياء المنطقة، ويغالي الناس في أثمانها. ويحرص المشاهير وكبار السن على اقتنائها وارتدائها في المناسبات. ويتم حفظها بوضع البرك وبعض النباتات العطرية داخلها، لحمايتها من العثة وإضفاء رائحة زكية.

في الختام، نأمل أن تنال الجبة البيدية نصيبها من الاهتمام كعنصر ثقافي يمثل المنطقة، لا سيما أن حياكة السدو مدرجة ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو في المملكة العربية السعودية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com