مقالات

حين تقتل المثالية الزواج

أميمة عبد العزيز زاهد

إن اختيار شريك الحياة ليس بالأمر السهل، ومن المستحيل أن نجد كل المواصفات المطلوبة؛ فالكمال لله وحده. لذلك يصعب وضع مقاييس ثابتة للاختيار؛ لأنه عند التطبيق لن نجد إلا القليل من مطالبنا قد تحقق، وسنتنازل –بكامل إرادتنا– عن الكثير من رغباتنا وخيالاتنا، ونتغاضى عن أحلام رسمناها طويلًا.

فالسعادة تكمن في حسن الاختيار بكل تعقل وحكمة، ليتحقق الأمان من خلال المشاركة في مصاعب الحياة، والتفاني في تقديم العون، والصبر، والتحمل، والتضحية، ومراعاة كل طرف مشاعر الآخر، والاحترام المتبادل… كل ذلك يخلق الاستقرار.

ولكن… هل تغيرت مفاهيم الاختيار والمثالية نتيجة التطورات التي غزتنا؟ ولماذا ودّعنا مسؤوليتنا من أصغر الأمور حتى أكبرها؟ ولماذا أصبحنا نفتقد السعادة الزوجية؟ ولماذا كل هذا الكم الهائل من الإحباط في النفوس والشعور بالحسرة في العلاقات؟

مع أن الزواج أعظم علاقة إنسانية تتحقق من خلالها الراحة النفسية والصحية والاجتماعية، وليس مؤسسة تهدف إلى ربح طرف وخسارة الآخر، أو سعادة شخص وتعاسة آخر. فالزواج هو بوليصة التأمين ضد الوحدة والعزلة.

ومن أسباب التعاسة اقتحام الرفاهية حياتنا؛ فزادت معها أوقات الفراغ، وضاعت في أمور تعقّد الحياة بدل أن تُجمّلها. فأصبح الزوج في وادٍ، والزوجة في وادٍ ثانٍ، والأبناء في وادٍ ثالث. وما كثرة المنازعات بين الأزواج إلا نتيجة اعتقاد بعضهم أن الزواج مجرد انتقال من مكان إلى آخر مع تغيير في المسميات والأدوار، أو أنه فرصة لتحقيق طموحات شخصية على حساب الطرف الآخر، أو أنه بداية حرية من حياة “العبودية”.

ويعود سبب فشل الزواج –في الأساس– إلى سوء الاختيار؛ فكل إنسان يريد شريكًا يشبه ما يراه في الأحلام أو في الأفلام، أو ما نسجه الخيال. يبدأ التخطيط والرسم، ويختار صورة مثالية مطلقة وصفات كاملة… ثم يصطدم بالواقع، فيجد عكس ما رسمه. وفي لحظة الاصطدام ينكسر كل شيء؛ لأنه حلّق بأحاسيسه في الفضاء، وحين عجز عن التحليق سقط على أرض الواقع.

فالرجل قد يطلب عند اختياره لشريكة حياته مواصفات خيالية: قامة ممشوقة كعارضة أزياء، ووجه كملكة جمال، وأن تكون متحدثة ومتعلمة وموظفة ومثقفة وأنيقة واجتماعية، ولها خبرة بتنظيم الأعمال كأفضل سكرتيرة، وأن تكون مدبرة وحكيمة توازن بين الدخل والمنصرف، وطاهية بارعة، وترعى الأطفال بأحدث الطرق… وربة منزل ممتازة بمرتبة الشرف! وفي نهاية اليوم مطلوب منها أن تكون زوجة وحبيبة ورومانسية لأقصى الحدود… كما يريدها حسب الدور المطلوب، ولا يحق لها أن تغضب أو تثور أو تشتكي من الإهمال.

أما الفتاة فقد تتخيل زوجها فارسًا يمتطي حصانه الأبيض، ملامحه كرشدي أباظة، وكلامه كشعر المتنبي، وكرمه كحاتم الطائي! ولا بد أن يوفر لها كل سبل الراحة، وأن تكون طلباتها أوامر. وأي خلل يحدث تتذكر إساءته وتنسى إحسانه، وتتمرد على ظروفه، وتتوهم حياة وردية خالية من أي منغصات، وتحلم أن تعيش معه قصة حب لا تنتهي.

والحقيقة أن الحب يأتي ليترجم الأحاسيس، فتتفاعل المشاعر مع هذا الضيف العزيز… فالمحب يمتلك عواطف راقية سامية، ونظرة متفائلة؛ فالمشاكل تتصاغر وتصبح توافه، والمرّ يتحول لشهد، والظلام يبدده نور يشع من الأعماق ليجعل كل شيء ممتعًا…

أحاسيس لذيذة… لا يفهمها ولا يشعر بها حقًّا إلا من عاشها بصدق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com