مأزق الأسلوب في عصر النص المعلّب

بقلم: صفاء الأحمد
كان أول ما خطر ببالي وأنا أتحدث مع صديقتي الكاتبة روعة سنبل عن دراستي النقدية الجديدة لإحدى مجموعاتها القصصية، أنني لم أعد أخوض معركة مع الفكرة بقدر ما أخوضها مع اللغة.
قلت لها إن أكبر ما يشغلني الآن ليس كتابة النص، وإنما تهذيبه؛ أن أقتطع من مجازه، وأخفف من كثافته، وأستبدل الإيحاء أحيانًا بالشرح، لأن طبيعة النشر اليوم تفرض على الكاتب أن يوازن بين ما يريد قوله وما يستطيع القارئ أن يلتقطه من أول قراءة.
ثم قلت لها: “إن أعظم صداقة يمكن أن تنشأ بين إنسان وآخر قد تبدأ من كتاب.” ويكفي أن تفتح كتابًا لأحدهم، حتى تشعر أن بينك وبين صاحبه معرفة قديمة، وأن الكلمات استطاعت أن تهزم المسافات والأزمنة، وأن تصنع ألفة لا تحتاج إلى مصافحة. حتى مَن رحلوا وأدّبتنا كتبهم، بقيت لنا أصواتهم تتردد في حناجرنا.
وفي خضم هذا الحديث، تذكرت ملاحظة أبداها محرر صحيفة بشأن أحد مقالاتي؛ إذ طلب مني أن أبسط اللغة لأن المقال لا يخاطب النخبة وحدها، وإنما يتوجه إلى جميع القراء بمن فيهم المبتدئون.
أدركت وجاهة الطلب، لكنني شعرت في ذات الوقت أن الأمر يشبه مطالبة سائق قطار بأن يعود إلى الخلف، بينما هو ماضٍ على سكته إلى الأمام.
فاللغة ليست صندوق أدوات نفتحه متى نشاء ونغلقه متى نشاء، وإنما هي ثمرة عمر من القراءة، وأثر يتسلل إلى الكاتب من حيث لا يشعر. لذلك لا يشغلني كيف أبسّط لغتي بقدر ما يشغلني كيف أتنكّر لذاكرتي القرائية!
فالكاتب لا يكتب بما يختاره كل صباح، وإنما يكتب بما تراكم فيه عبر سنوات طويلة من الصحبة مع الكتب؛ بالمفردات التي أحبها، والإيقاعات التي سكنت أذنه، والصور التي أقامت في خياله حتى صارت جزءًا من طريقته في رؤية العالم، لا في وصفه فحسب.
حينها أخذت أستعرض في ذاكرتي أسماء الكتّاب الذين تركوا في لغتي أثرًا لا يمحى. فكلما قرأنا سيرة أديب منذ صغرنا، وجدنا عبارة تتكرر: “تأثر بفلان وفلان”.
لطالما كانت السلسلة الأدبية واضحة؛ كاتب يسلم الشعلة إلى كاتب، ولغة تورث لغة، وخيال يوقظ خيالًا آخر.
وكل كاتب يولد من رحم مكتبة كاملة قبل أن يسكن قلمه.
لذلك في تقديري حين تسأل كاتبًا “بمن تأثرت؟” تكون إجابته بمثابة مفتاح لفهم صوته، وامتداد طبيعيّ لنسبه الأدبي.
أما اليوم، فقد أصبح السؤال أكثر تعقيدًا…
لو سألت كاتبًا ممن يعتمدون اعتمادًا واسعًا على الذكاء الاصطناعي في إنتاج نصوصهم، بمن تأثر حتى صار كاتبًا، فبماذا سيجيب؟ هل سيذكر خوارزمية بدلًا من اسم أديب؟ وهل يمكن لبرنامج مهما بلغت قدرته أن يمنح الإنسان ذائقته أو يورثه صوته الخاص؟
فمهد الأسلوب هو تاريخ الجملة وأصالتها؛ الجملة الّتي نشأت من كتب عبرت صاحبها، ومن التجارب التي أعادت ترتيب تلك الكتب في داخله، حتى خرجت بصوت لا يشبه سواه.
كانت آفة الكتابة قديمًا ركاكة اللغة أو فقر الفكرة أو ضعف التجربة. أما اليوم، فإن الخطر أعمق من ذلك كله؛ صار التحدي ألا نفقد تلك السلسلة الخفية التي كانت تصل كاتبًا بكاتب، وجيلًا بجيل.
وأن نظل قادرين على كتابة نص يشبهنا حقًا، ويحمل بصمتنا الإنسانية، ويشهد بأن وراء هذه الكلمات قلبًا قرأ وتأمل وتأثر… ثم كتب.



