مقالات

بين الآمال والآلام… العمر لحظة

47 / 100 نتيجة تحسين محركات البحث

عبدالله آل سالم القحطاني

“في رثاء شهداء حادث مروحية أرامكو”

﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ سورة لقمان: 34

للأقدار لغةٌ لا نتعلمها إلا بعد أن تُبكينا، وللزمن حكمةٌ لا نفهمها إلا حين يأخذ منا إنسانًا كنا نظن أن الغد سيجمعنا به. وليس أصعب على الإنسان من أن يكتشف أن الحياة لا تمنح أحدًا إنذارًا أخيرًا. لا ضوء يسبق النهاية، ولا رسالة تقول: بقي لك من العمر يوم أو ساعة، ولا صوتًا خفيًا يهمس: عد إلى بيتك، وقبّل رأس أمك، واحتضن أبناءك، واعتذر لمن أخطأت في حقه، فقد اقترب موعد الرحيل. الحياة تمضي بهدوء كما بدأت، ثم تتوقف فجأة، خلفها دهشة لا يفسرها إلا الإيمان.

انتهى الأجل. إن الموت لا يسرق الإنسان من الحياة، بل يسرق الحياة من الإنسان. هكذا هو الموت، لا يطرق الأبواب قبل دخوله، ولا يرسل رسالة اعتذار، ولا يمنح الإنسان فرصة ليؤجل موعده ساعة واحدة. يأتي في اللحظة التي كتبها الله، ويأخذ الإنسان من بين أحلامه، ومن بين ضحكاته، ومن بين مواعيده المؤجلة، وكأن الحياة لم تكن إلا ومضة برق في ليل طويل.

وما بين خروج الإنسان من بيته وعودته إليه بحرٌ من الأقدار لا يراه أحد؛ قد تعود بعده الخطوات كما اعتادها أهلها، وقد يعود الخبر بدلًا من صاحبه. ولذلك لا تكون بعض الحوادث مجرد أخبار تعبر الصحف، بل رسائل يكتبها القدر للأحياء، ليذكرهم أن الحياة، مهما بدت طويلة، أقصر من أن نؤجل فيها خيرًا، أو نحمل فيها ضغينة، أو نغفل عن لقاء الله.

وهكذا جاءت فاجعة سقوط المروحية التابعة لشركة أرامكو، فاهتزت لها القلوب قبل أن تهتز لها الكلمات، ورحل فيها أربعة عشر مواطنًا سعوديًا، خرجوا في صباح يشبه كل صباح، يحمل كل واحد منهم قصةً لا يعرفها إلا أهل بيته، وحلمًا لا يعرفه إلا قلبه، ودعاءً خبأته له أمٌّ في جوف الليل، أو زوجةٌ رفعت كفيها إلى السماء، أو طفلٌ ينتظر عودته ليحكي له كيف مضى يومه.

لم تكن السماء مختلفة، ولم تكن الأرض مختلفة، وكانت الحياة تمضي على عادتها، بينما كان القدر يسير في طريقه الهادئ الذي لا يراه أحد، ثم… انتهى كل شيء، في لحظة واحدة، تحولت المواعيد إلى ذكريات، والأحاديث إلى صمت، والانتظار إلى يقين، والأمل في لقاء المساء إلى دعاء بالرحمة.

كم هو هشٌّ هذا الإنسان! يبني عمره حجرًا فوق حجر، ويحسب الأيام كما يحسب التاجر أرباحه، ويخطط للغد، ويؤجل أحلامه، ويظن أن الوقت سيمنحه فرصة أخرى، بينما الحقيقة أن أعمارنا ليست بما نخطط له، بل بما كتبه الله لنا. نحن نعيش وكأن المستقبل حقٌّ مكتسب، بينما هو في الحقيقة غيبٌ استأثر الله بعلمه، لا نعرف من الغد إلا اسمه، ولا نعرف من أعمارنا إلا ما مضى منها. أما ما بقي، فهو صفحةٌ مطوية في كتاب الغيب، لا يفتحها إلا رب العالمين. فالإنسان لا يموت لأن مركبة تعطلت، أو لأن حادثًا وقع، وإنما يموت لأن الساعة التي كتبها الله له قد جاءت.

ولو لم تأته في هذا المكان، لأتته في مكان آخر، ولو لم يكن هذا السبب، لكان غيره، لأن الأجل إذا حضر سقطت كل الاحتمالات، ولم يبق إلا أمر الله. ومن هنا تتجلى حكمة الإيمان.

لقد عُرفت أرامكو، عبر عقود، بثقافة راسخة في السلامة وإدارة المخاطر، حتى أصبحت إجراءاتها الوقائية مرجعًا عالميًا، تُراجع فيها التفاصيل، وتُدرَّب الكفاءات، ويُبذل كل ما يمكن لحماية الأرواح. وهذا جهد يستحق التقدير، وهو من الأخذ بالأسباب الذي أمرنا به ديننا، لكن الإيمان يعلمنا كذلك أن الأخذ بالأسباب لا يعني أن الإنسان يملك الغد، ولا أن الحذر يستطيع أن يغلب القدر. فنحن مأمورون أن نتقن العمل، وأن نبذل كل وسيلة تحفظ الأرواح، لكننا مأمورون أيضًا أن نوقن بأن فوق الأسباب كلها إرادة الله، وفوق كل حساب بشري حكمةً لا يحيط بها عقل. فالأسباب تقلل الأخطار بإذن الله، لكنها لا تؤخر أجلًا إذا حضر، والاحتياط يحفظ بإذن الله، لكنه لا يرد ما كتبه الله. إنها الحقيقة التي يتساوى أمامها الجميع؛ الغني والفقير، والقوي والضعيف، والصحيح والمريض. فلا أحد يملك من عمره إلا اللحظة التي يعيشها، أما اللحظة القادمة، فهي ملك لله وحده.

غير أن الموت لا يأخذ الإنسان وحده، إنه يأخذ معه جزءًا من حياة كل من أحبه، يأخذ من الأم قطعةً من قلبها، ومن الأب سندًا كان يراه امتدادًا لعمره، ومن الزوجة رفيق دربها، وشريك أحلامها، ونصف تفاصيل يومها.

ويأخذ من الطفل اليد التي كانت ترفعه، والصوت الذي كان يطمئنه، والكتف التي كان ينام عليها.

ثم يبدأ الزمن عمله الصامت، تمر الأيام، وتفتح الأسواق أبوابها، وتزدحم الطرق، وتعود الاجتماعات، وتواصل الطائرات رحلاتها، وتستمر الحياة كما لو أن شيئًا لم يكن. لكن هناك بيوتًا لا يعود الزمن إليها كما كان، هناك مقعد سيظل خاليًا، وفنجان قهوة لن يشربه أحد، وثوب سيبقى معلقًا ينتظر صاحبه، ومفتاح لن يدور في الباب مرة أخرى، ورقم هاتف سيظل محفوظًا في ذاكرة الأحبة، رغم أنهم يعلمون أن أحدًا لن يجيب.

إن الأشياء الصغيرة هي أكثر ما يوجع بعد الرحيل، لأنها تظل شاهدةً على أن أصحابها كانوا هنا يومًا. ولعل أعظم ما يتركه هؤلاء الراحلون لنا ليس الحزن وحده، بل الدرس أن الحياة ليست بعدد السنين، بل بما نتركه في قلوب الناس. وأن الإنسان، مهما جمع من مال، ومهما بلغ من منصب، ومهما خطط للمستقبل، سيرحل كما رحل من قبله، ولن يحمل معه إلا عمله، وذكره الطيب، ودعاء أم، أو دمعة زوجة، أو بر أبناء، أو صدقة جارية، أو خيرًا زرعه في طريق الناس.

فلنؤجل الخصومات، لا المحبة. ولنعجل بالاعتذار، لا بالكبرياء. ولنكثر من الكلمة الطيبة، فإنها قد تعيش بعد صاحبها عشرات السنين. ولنستكثر من العمل الصالح، فهو الرفيق الوحيد الذي لا يتخلف عن صاحبه حين يرحل الجميع.

سيقول الزمن بعد أعوام إن حادثةً وقعت، ثم سيطويها في دفاتر الأيام، لكن الزمن لا يعلم أن بعض الحوادث لا تموت بانتهاء أخبارها، لأنها تتحول إلى حكمة تسكن القلوب. وسيبقى الناس ينسون أسماء كثيرين عاشوا أعمارًا طويلة، لكنهم لن ينسوا رجالًا خرجوا يؤدون أعمالهم فعادوا إلى ربهم، وتركوا لوطنهم درسًا لا يُقدَّر بثمن، درسًا يقول إن الحياة ليست فيما نملك، بل فيما نترك، وليست في عدد السنوات، بل في بركة الأثر، وليست في طول الطريق، بل في حسن النهاية.

رحم الله شهداء هذا الحادث الأليم، رحمةً تليق بكرمه، وجعل قبورهم روضاتٍ من رياض الجنة، وأبدلهم دارًا خيرًا من دارهم، وأهلًا خيرًا من أهلهم، وأكرم نزلهم، ووسع مدخلهم، وربط على قلوب كل أم فقدت، وكل أب احتسب، وكل زوجة ترملت، وكل طفل كبر قبل أوانه، وكل قلب عرف معنى الفقد. وليبق هذا الحادث شاهدًا على الحقيقة التي يهرب منها الإنسان طوال عمره، ثم يلقاها في النهاية: لسنا نعيش حتى يأتي الموت… بل نعيش حتى يأتي الموعد الذي كتبه الله لنا منذ الأزل.

وحين يأتي ذلك الموعد، لا يبقى من الإنسان إلا ثلاثة أشياء. قال صلى الله عليه وسلم: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له».

……………..

alamhar@hotmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com