ثقافة وفن

«شموع الشتاء»… عندما تكتب الحكاية دفءَ الإنسان وتستعيد الذاكرة ملامحها

44 / 100 نتيجة تحسين محركات البحث

كتب حمد دقدقي
ليست الحكاية عند القاص محمد حسن الرياني حدثًا يُروى فحسب، بل هي وطنٌ صغير يسكن الكلمات، ونافذة يطل منها الإنسان على نفسه كلما ازدحمت الحياة بضجيجها. ومن هذا الأفق الإبداعي يطل الرياني على قرائه بإصداره الثاني عشر، «شموع الشتاء»، الصادر عن دار تكوين للطباعة والنشر، ليواصل مشروعًا سرديًا بدأه منذ مجموعته الأولى «ليلة على الرابية» عام 2017م، وظل فيه وفيًّا للمكان، مؤمنًا بأن أعظم الحكايات هي تلك التي تولد من تفاصيل الحياة اليومية، ومن الوجوه التي تعبر الطريق دون أن يلتفت إليها أحد.

الأديب / محمد الرياني
الأديب / محمد الرياني

 

في عالم الرياني، لا تكون القرية مجرد جغرافيا، ولا الأزقة مجرد ممرات، ولا الأشجار مجرد ظلال؛ إنها ذاكرة تنبض، وأرواح تتكلم، وأمكنة تحفظ خطى العابرين كما تحفظ الأم أسماء أبنائها. لذلك تبدو نصوصه وكأنها تنفض الغبار عن ذاكرة المكان، لتعيد إليها صوت الباعة، ورائحة المطر، وهمسات المساءات، ودفء المجالس، وكل ما يخشى الزمن أن يطويه في غفلة الإنسان.

يكتب الرياني بوعي السارد الذي يعرف أن القصة لا تُقاس بطولها، وإنما بقدرتها على ملامسة القلب. لذلك يجعل من التشويق خيطًا خفيًا يقود القارئ من أول السطر إلى آخره، دون افتعال أو مبالغة، بينما يمتزج الواقع بالخيال امتزاج الضوء بظلاله، فتولد شخصيات تبدو مألوفة، كأنها خرجت لتوها من بيتٍ قديم أو من ذاكرة قارئ يعرفها منذ زمن بعيد.

ولغته ليست لغةً تستعرض البلاغة، بل لغة تعرف كيف تمنح الصورة نبضها، وكيف تجعل المفردة تحمل أكثر من معناها المباشر. إنها لغة شفافة، لكنها عميقة؛ هادئة، لكنها قادرة على إثارة الأسئلة، تترك للقارئ مساحة واسعة ليشارك النص في إعادة خلق المشهد، لا أن يكتفي بقراءته.

وتضم مجموعة «شموع الشتاء» ثلاثين نصًا قصصيًا، جاء عنوانها من إحدى قصصها، وكأنه مفتاحٌ رمزي لعالم المجموعة بأكمله. فالشتاء هنا ليس فصلًا للبرد، بل مساحة للتأمل، والشموع ليست مجرد ضوء، بل استعارة للأمل الذي يبقى متقدًا مهما اشتدت العتمة. ومن هذا المعنى تتشكل النصوص، فتغدو كل قصة شمعةً صغيرة تضيء زاوية من زوايا الإنسان، وتكشف ما تخفيه الأيام من حنين وأسئلة ودهشة.

ويستوقف القارئ ما اختاره الرياني من عناوين تنتمي إلى ذاكرة المكان ولغته الشعبية، مثل: المظلة، نسائم، احتفال القرية، قراطيس التسالي، قرون البامية، الكاذي، هللات، محشوش وغيرها من العناوين التي تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تفتح أبوابًا واسعة للتأويل، وتؤكد أن الكاتب لا يستعير بيئته بوصفها ديكورًا سرديًا، بل يعيشها ويكتبها من الداخل، حيث تتداخل رائحة التراب مع نبض البشر، وتصبح الأشياء الصغيرة بطلةً للحكاية.

لقد استطاع محمد حسن الرياني، عبر اثني عشر إصدارًا متتابعًا، أن يبني مشروعًا قصصيًا له ملامحه الخاصة، بعيدًا عن الصخب، وقريبًا من الإنسان. مشروعٌ يؤمن بأن الأدب لا يعيش إلا إذا حفظ ذاكرة المكان، وأن الحكاية الحقيقية هي التي تمنح القارئ شعورًا بأنه لم يقرأ قصة فحسب، بل عاشها، ومشى في طرقاتها، وأصغى إلى أصواتها، واحتفظ بشيء من دفئها.

وهكذا تأتي «شموع الشتاء» امتدادًا طبيعيًا لهذه التجربة الناضجة؛ مجموعة لا تبحث عن الإدهاش العابر، بل عن الأثر الباقي. تضيء وجدان القارئ كما تضيء الشموع ليلًا طويلًا، وتؤكد أن الأدب الصادق يظل قادرًا، في كل زمن، على أن ينتصر للإنسان، ويصالحه مع ذاكرته، ويعيد إليه يقينه بأن الحكايات الجميلة لا تشيخ، لأنها ولدت من القلب، وتعود إليه دائمًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com