ثقافة وفن

آخر تلميذة في دفاتري .. قصة

4 / 100 نتيجة تحسين محركات البحث

عدنان الدوسري

لم يكن صيف ذلك العام يشبه ما سبقه من الفصول. كانت شقتي الصغيرة في الطابق الثاني من بناية قديمة في منطقة سلوى، تستند بشرفتها إلى شواطئ الخليج، حيث يمتد البحر حتى يلامس الأفق، ثم يعود مع كل موجة كأنه يراجع ذاكرته. في المساءات الهادئة، حين تخفت أصوات السيارات، كان ارتطام الموج بالصخور يصنع موسيقى خافتة، أشعر معها أن البحر يكتب قصائده الخاصة، ولا ينتظر من يقرأها.
كانت الغرفة بسيطة، لكنها احتضنت سنوات طويلة من الغربة. مكتبة خشبية أثقلتها الكتب، ومكتب تتناثر فوقه أوراق لم تكتمل، وفنجان شاي لا يغيب عن يدي، وعكاز يستند إلى جوار الباب كرفيق يعرف تفاصيل أيامي أكثر مما يعرفها البشر. كنت قد تجاوزت الخمسين، وأصبحت أوقن أن الإنسان لا يشيخ حين يتقدم به العمر، بل حين يفقد دهشته الأولى. أما الوطن، فكان يسكنني أكثر مما أسكنه؛ يطل علي في رائحة الخبز، وفي نشرات الأخبار، وفي كل مساء يزداد فيه الحنين ثقلا.
في إحدى الليالي، وبينما كنت أتصفح مجموعة أدبية على هاتفي، استوقفتني قصة قصيرة لكاتبة شابة. لم تكن القصة مكتملة النضج، لكنها كانت تحمل شيئا يصعب تفسيره؛ موهبة تبحث عن يد تأخذ بها إلى الطريق الصحيح. قرأتها أكثر من مرة، ثم تركت تحتها ملاحظات مطولة، وأغلقت الهاتف ظانا أن الأمر لن يتجاوز حدود تعليق عابر.
لكن صباح اليوم التالي حمل إلي رسالة قصيرة.
(شكرا لك… لم يقرأني أحد بهذه الطريقة من قبل.)
ابتسمت، ورددت التحية، ولم أكن أعلم أن تلك الرسالة ستكون أول خطوة في رحلة امتدت أشهرا، وجعلت من الحوار بيننا موعدا يوميا لا يكاد ينقطع.
كانت ترسل إلي كل قصة تكتبها، فأعيدها إليها محملة بالملاحظات، لا لأصحح اللغة وحدها، بل لأدلها على الطريق الذي يجعل المكان يتنفس، والزمان يتحرك، والشخصيات تنبض بالحياة، والحبكة تخفي مفاجآتها حتى اللحظة الأخيرة.
كانت كثيرة الأسئلة، كثيرة الدهشة، تلاحق أدق التفاصيل، حتى خيل إلي أنها تستدعي شارلوك هولمز كلما قرأت قصة، تبحث عن سرها كما يبحث المحقق عن أثر ضائع.وفي أحد الأيام قالت لي ضاحكة:
-أظن أن عدد ملاحظاتك صار أطول من قصصي.
فضحكت وقلت:
-وحين تصبح ملاحظاتي أقصر من نصوصك، سأعرف أنك لم تعودي بحاجة إلى معلم.
كانت تنهي أحاديثها دائما بعبارة أحببتها:
(أستاذي… الحديث معك لا يمل.)
فأجيبها:
-اذهبي، فالمعايير لا تهرب، لكنها تنتظر من يطاردها.
ومرت الأيام، وكبرت نصوصها كما تكبر الأشجار بصمت. كانت تتعثر أحيانا، ثم تنهض أكثر صلابة، بينما كنت أراقب ذلك التحول بشيء من الفخر الذي لا يحتاج إلى إعلان.لكن ذات مساء، تبدل شيء في نبرة رسائلها.
وصلتني رسالة طويلة، لم تكن تتحدث عن قصة، ولا عن معيار من معايير السرد.
كتبت:
(في البداية كنت أراك معلما، ثم اكتشفت أنني أنتظر حديثك أكثر مما أنتظر قصصي بعد النشر. حضورك يطمئنني، وكلماتك تمنحني شعورا بالأمان لا أعرف كيف أصفه. أخجل من الاعتراف، لكنني أصبحت معجبة بك، ليس لأنك كاتب، بل لأنك الإنسان الذي يقف خلف الكاتب.)
ظلت الرسالة مفتوحة أمامي طويلا.
خرجت إلى الشرفة.
كان البحر ساكنا على غير عادته، والنسيم يحمل رائحة الملح من الخليج، بينما كانت أضواء المدينة ترتجف فوق الماء.
عدت إلى مكتبي، وأمسكت الهاتف، ثم كتبت إليها:
(لا يوجد في كلماتك ما يسيء، بل فيها صدق أعتز به، ولهذا سأكون أكثر صدقا معك.أنا رجل تجاوز الخمسين، أنهكته المنافي، ويتكئ على عكازه أكثر مما يتكئ على الناس. لم تعد الحياة تمنحني إلا ما يكفي من الأيام، ولا أملك من الدنيا سوى مكتب صغير، ومكتبة قديمة، وحقيبة سفر تنتظر منذ سنوات موعد العودة، وحالة مادية لا تسمح لي حتى بأن أعد نفسي بشيء.أما أنت، فما زلت في أول الطريق، والطريق أمامك واسع، فلا تجعلي إعجابا عابرا يحرمك من المستقبل الذي تستحقينه.إذا كان لي أن أكون شيئا في حياتك، فسأكون ذلك المعلم الذي يمشي إلى جوارك حتى تقفي على قدميك، ثم يبتعد وهو مطمئن أنك أصبحت قادرة على مواصلة الطريق وحدك.)
تأخر ردها.
ثم جاءت رسالة قصيرة، لكنها كانت أثقل من كل الرسائل السابقة.
(لهذا السبب… ازددت احتراما لك.)
بعدها عاد كل شيء إلى طبيعته.
قصص، وملاحظات، وضحكات، ونقاشات طويلة عن الأدب والحياة….ثم انقضى الصيف…وفي نهاية أغسطس، انقطعت الرسائل فجأة.
مر يوم…ثم أسبوع…ثم شهر…
ولم يصل شيء.لم أسأل عنها، ولم تكتب إلي. قلت في نفسي إن الطيور الصغيرة لا تبقى طويلا في أعشاشها، وإن مهمتي انتهت يوم بدأت أجنحتها تقوى.
ومضت اشهر .
عدت إلى وحدتي القديمة في شقتي المطلة على الخليج. ما زلت أستيقظ على صوت البحر، وأعد فنجان الشاي، وأقلب الصحف الثقافية كما اعتدت منذ سنوات.
وفي صباح شتوي، استوقفتني صفحة كاملة يتصدرها عنوان عريض:
(إعلان نتائج الجائزة العربية للقصة القصيرة.)
بدأت أقرأ أسماء الفائزين.
تجاوزت المركز الثالث…ثم الثاني…حتى توقفت عند المركز الأول.كان اسمها هناك.الاسم ذاته الذي كان يصلني كل مساء مع قصة جديدة، وسؤال جديد، وحلم صغير يكبر بين السطور.ضحكت وحدي.ضحكة طويلة لم أعرفها منذ زمن.أعدت قراءة الاسم مرة، ثم ثانية، ثم ثالثة، وكأنني أخشى أن يكون بصري قد أخطأ.رفعت رأسي نحو البحر.كانت الشمس تخرج من مياه الخليج ببطء، وترسم على السطح خيطا من الضوء يشبه بداية قصة جديدة.
همست وأنا أبتسم:
-ها أنت تقفين على قدميك…ولم تعودي بحاجة إلى عكازي.
ولأول مرة منذ أعوام، فتحت هاتفا طال صمته، وبحثت عن اسمها بين الرسائل القديمة. كان آخر حديث بيننا قد غطاه غبار الاشهر ، لكن الكلمات بقيت دافئة كما تركناها.
كتبت إليها:
(مبارك لك هذا الفوز… كنت أعلم أن هذا اليوم سيأتي، لكنني لم أكن أعلم أنه سيمنحني كل هذا الفرح. رفعت رأسي بك كما يرفع المعلم رأسه بأول تلميذة تجاوزته.)
لم تمض سوى دقائق حتى جاء الرد:
(كنت أنتظر رسالتك أكثر من انتظاري إعلان النتيجة.)
ثم لحقتها رسالة أخرى، أرفقت معها ملفا إلكترونيا، وكتبت:
(أنت أول من يقرأ قصتي الفائزة… لأنها بدأت معك.)
فتحت الملف ببطء.
وقبل أن أقرأ السطر الأول، شدني العنوان.
(آخر تلميذة خرجت من دفتره.)
ابتسمت دون أن أشعر.شعرت كأن أمواج الخليج اقتربت من نافذتي لتصفق لذلك العنوان.
بدأت أقرأ.
لم أجد نفسي أقرأ قصة، بل أستعيد سنوات كاملة من العمر.كان بطلها رجل تجاوز الخمسين، يسكن شقة تطل على الخليج، يتكئ على عكازه، ويقضي لياليه بين الكتب وفناجين الشاي، ويؤمن أن مهمة المعلم ليست أن يصنع تلاميذ يشبهونه، بل أن يصنع كتّابا يتجاوزونه.
كان يحمل ملامحي كلها، حتى صمتي كان مكتوبا بين السطور.وحين انتهيت من القراءة، أغلقت الملف بهدوء، وأسندت رأسي إلى الكرسي، بينما كان البحر يواصل حديثه القديم مع الشاطئ.في تلك اللحظة أدركت أن الكاتب قد لا يفوز بجائزة طوال حياته، لكنه قد ينال ما هو أثمن من كل الجوائز…أن يتحول، ذات يوم، إلى قصة جميلة في دفتر آخر…
كتبتها آخر تلميذة خرجت من دفاتره.
عدنان الدوسري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com