
بقلم: د.آمال بوحرب … باحثة وناقدة تونسية
إذا كانت الفلسفة اقترابًا من دهشة الحكمة ومشروعًا لبناء المفاهيم، فإن الفن إدراك محسوس لماهية العالم. تسأل الفلسفة عن الحقيقة، بينما يجعلنا الفن نشعر بكيفية حضور الحقيقة في الجسد واللون والضوء والظل. إنه يمنحنا تجربة الوجود في صورتها الحسية والوجدانية، ويجعل العالم قريبًا من الجسد والذاكرة والانفعال.
من هنا تبرز مشروعية النظر إلى الفن التشكيلي بوصفه فعلًا فلسفيًا. فقد حمل العمل الفني منذ بداياته أسئلة تتجاوز الجانب التقني، حتى قبل تشكّل علم الجمال بوصفه مجالًا فلسفيًا مستقلًا. فاللوحة سطح حي تتوزع عليه الأشكال والألوان، وتحمل في الوقت نفسه أثرًا رمزيًا لدهشة تنتمي إلى سياق ثقافي وتاريخي ووجداني محدد.
إن العين في الفن عضو للرؤية وأداة للتفكير معًا. وهذا ما يجعل اللوحة معرفة خاصة؛ معرفة تصل إلى العالم عبر الجسد والإحساس والحضور، وتمنح التجربة الحسية قدرة على إنتاج المعنى. وقد منح موريس ميرلو-بونتي الفن التشكيلي مكانة أنطولوجية، لأنه رأى في الرسم طريقًا إلى كشف الوجود كما يظهر في التجربة المعاشة. ويقول في «العين والعقل» إن الفنان «يهب جسده للعالم، فيحوّل العالم إلى لوحات»، مؤكدًا أن فعل الرسم ينشأ من تداخل الرؤية والحركة والجسد.
وحين ننظر إلى أعمال بول كلي وهنري ماتيس، نشاهد العالم وقد أعاد اللون والخط بناءه وفق إيقاع جديد. كما تكشف أعمال بيكاسو وبراك وسيزان وخوان غريس عن قدرة اللوحة على احتضان المادة والذاكرة والمجتمع والتجربة الروحية، وتحويلها إلى بنية بصرية متماسكة.
وقد عبّر بول كلي عن جوهر الفن بقوله: «الفن لا يعيد إنتاج المرئي، وإنما يجعل المرئي ممكنًا». تكشف هذه العبارة أن الفنان يفتح أمامنا طرائق جديدة لرؤية العالم، ويمنح الأشياء إمكانات تتجاوز حضورها المألوف.
من هنا تأتي الحاجة إلى قراءة لوحة الفنان والأديب صبري يوسف؛ فهي تقدم الوجوه والألوان والقلوب والنبات في تركيب بصري يستدعي أسئلة الهوية والذاكرة والحب والعزلة والعلاقة بين الإنسان والطبيعة. وقد حافظ الفن، منذ أثر الكهف الأول وصولًا إلى تجارب الحداثة وما بعدها، على رغبة أساسية تتمثل في منح العالم صورة تتجاوز صورته المباشرة.
حين تفتح اللوحة عالمًا
تفتح اللوحة عالمًا بصريًا تتداخل فيه الوجوه مع اللون، وتتحول فيه الأشكال إلى آثار للذاكرة والانفعال. فالعمل يمنح المتلقي تجربة وجودية تتجاور فيها الذات والآخر، والحضور والغياب، والحب والعزلة.
يرى مارتن هايدغر أن العمل الفني يفتح عالمًا ويضع الحقيقة في العمل، وتتحقق هذه الفكرة في لوحة صبري يوسف عبر انتقال اللون من وظيفته التشكيلية إلى وظيفة وجودية؛ فالأخضر والفيروزي يصنعان عالمًا تتشكل داخله الوجوه والذكريات والانفعالات. اللوحة تستدعي عالمًا جديدًا يتكون أمام عين المتلقي، وتمنحه إمكانية النظر إلى الإنسان بوصفه كائنًا متداخلًا مع محيطه.
تمنح اللوحة العين مادة حسية، وتمنح الفكر أسئلة متتابعة: كيف تتكون الذات؟ كيف تحفظ الذاكرة وجوهها؟ كيف يحضر الآخر في داخلنا؟ وكيف يستطيع الحب أن يمنح العزلة معنى قابلًا للاحتمال؟ وهنا تتحول المشاهدة إلى تفكير، ويتحول التفكير إلى إحساس بصري.
الوجه والهوية: ذات تبحث عن صورتها
يشغل الوجه المركزي مساحة مهمة من اللوحة، وتنساب حدوده داخل الخلفية الخضراء والفيروزية. ويمنح هذا التداخل الوجه دلالة تتجاوز صورته الفردية، فيغدو تمثيلًا لذات تبحث عن تعريفها داخل العالم. يتصل هذا التصور بعبارة بول كلي حول قدرة الفن على جعل المرئي ممكنًا. فالوجه في اللوحة يستعيد ملامح إنسانية، ثم يفتحها على ما يختبئ خلف الملامح من قلق وذاكرة وتحول. إن الفنان يوسع مجال الرؤية، ويجعل الوجه علامة على وجود داخلي يتجاوز صورته الخارجية.
يبدو الوجه كأنه خرج من طبقات اللون، أو نبت من داخل المجال الطبيعي، ولذلك يكتسب حضورًا يتجاوز صورة الفرد المنفصل. إنه يمثل ذاتًا تتكون عبر ما عاشته وما أحاط بها وما ترك أثره في وجدانها.
وتظهر وجوه أخرى على أطراف اللوحة، بعضها جانبي وبعضها شبه غائب. تشارك هذه الوجوه المجال العام في اللون والحركة، فتتصل به بصريًا ووجدانيًا. ويخلق هذا التوزيع إحساسًا بالمسافة؛ فالشخصيات تتجاور في المكان، بينما تحتفظ كل شخصية بفضائها الداخلي.
ويقترب هذا التكوين من رؤية بول سيزان الذي كان يبحث عن البنية العميقة للأشياء، ويؤكد أن الفن يحقق تناغمًا يوازي تناغم الطبيعة. فالوجوه في لوحة صبري يوسف لا تظهر باعتبارها صورًا منفصلة، وإنما تدخل في إيقاع عام يربط الإنسان بالطبيعة واللون والذاكرة.
الأنا بين الحس والعقل
تظهر الأنا في اللوحة بوصفها كيانًا يتحرك بين الإدراك الحسي والتفكير العقلي. تلتقط العين وجوهًا وقلوبًا وأشكالًا نباتية، ثم ينتقل الوعي إلى البحث عن العلاقات الخفية التي تجمع هذه العناصر. وهنا يتحول الإدراك إلى فعل تأويل، ويتحول النظر إلى تجربة فكرية.
يقول ميرلو-بونتي إن الفنان «يهب جسده للعالم»، لأن الرؤية عنده تنشأ من علاقة حية بين الجسد والمحيط. وتنسجم هذه الفكرة مع اللوحة، لأن الأنا تظهر عبر الجسد واللون والملمس قبل أن تتشكل في صورة فكرة. نحن نرى الوجه بحواسنا، ثم ننتقل إلى تأويله فكريًا ووجدانيًا؛ فالعين تستقبل، والعقل ينظم، والذاكرة تمنح الشكل عمقه.
لهذا يقدم الوجه المركزي صورة لذات تعيش بين حضورها الحسي وغموضها الداخلي. نرى ملامحه، ثم نعيد بناء دلالته؛ نشعر بحضوره، ثم نسأل عن تاريخه ومصيره. ولذلك تصبح الأنا في اللوحة تجربة مفتوحة تجمع وضوح الشكل واحتمالات المعنى.
تتأسس الأنا هنا على حوار دائم بين الحس والعقل. فالحس يمنحنا اللون والملمس والحركة، بينما يمنح العقل هذه العناصر علاقاتها ودلالاتها. وبهذا تصبح اللوحة معرفة تتضافر فيها العين والفكرة والوجدان.
اللون الذي يفكر
يسيطر الأخضر والفيروزي على سطح اللوحة، ويحمل كل لون مجموعة من الدلالات المتشابكة. يحيلنا الأخضر إلى الحياة والنمو والطبيعة، ويمنح كثافته للمشهد طاقة وجدانية تجمع الحيوية والقلق. أما الفيروزي فيستحضر الماء والحلم والسيولة، ويجعل الأشكال أقرب إلى صور عائمة في الذاكرة.
تعمل الألوان هنا على نقل الحالة الداخلية، وتشكيل فضاء نفسي يتجاوز حدود المكان الواقعي. إنها تمنح الوجوه سيولتها، وتربط بين الإنسان والطبيعة، وتضع الذاكرة في حركة مستمرة.
يقول فاسيلي كاندينسكي في «الروحانية في الفن» إن اللون يحدث تأثيرًا مباشرًا في الروح، ويشبهه بمفتاح يوقظ وترًا داخليًا. وفي لوحة صبري يوسف، يعمل اللون بوصفه حاملًا للذاكرة والانفعال؛ فالأخضر يتحول إلى إحساس بالحياة والقلق، والفيروزي يستدعي الماء والحلم، بينما يمنح الأبيض الأشكال بريقًا قريبًا من النقاء والغياب.
أما الخطوط المتموجة، فتمنح السطح إيقاعًا يشبه حركة الماء أو اضطراب الذاكرة. وهي تقود العين من شكل إلى آخر، وتخلق إحساسًا بالتغير الدائم. وبفضلها تظهر الملامح وتتحول وتستعيد حضورها داخل النسيج اللوني.
الوجوه المتعددة: ذات واحدة في صور كثيرة
يمنح تعدد الوجوه اللوحة تصورًا للذات بوصفها متعددة ومركبة. فالوجوه تتصل بالمجال اللوني العام، وتتشارك معه الحركة والملمس، ولذلك يمكن قراءتها بوصفها وجوهًا للذات الواحدة، أو آثارًا لأشخاص تركوا حضورهم في الذاكرة، أو احتمالات مختلفة للإنسان بين الظهور والاحتجاب.
يتحول الوجه من علامة على الهوية الشخصية إلى رمز للذاكرة والعلاقة والغياب. فالملامح الجزئية والإطلالات الجانبية والأشكال المنحلة داخل اللون تجعل الإنسان كائنًا تُقرأ هويته من آثار تجربته، ومن علاقاته، ومن الانفعالات التي صنعت صورته الداخلية.
ويمكن استحضار مقولة بيكاسو الشائعة: «الفن كذبة تجعلنا ندرك الحقيقة»، مع الإشارة إلى أنها صياغة متداولة لموقفه من التمثيل الفني. فالوجوه في اللوحة لا تقدم حقيقة الشخصيات بصورة مباشرة، وإنما تستخدم الذوبان والتداخل للوصول إلى حقيقة أعمق تتصل بالذاكرة والقلق والعزلة. وتتحول إعادة تشكيل الواقع إلى سبيل لكشف جوهر داخلي يتجاوز المظهر الخارجي.
يمنح تعدد الوجوه العمل بعدًا رمزيًا كذلك؛ فالوجه يصبح علامة على الحضور والغياب، وعلى الهوية التي تتشكل عبر الآخرين. وكل وجه يظل مفتوحًا على احتمال: ذكرى، أو شخصية، أو جزء من الأنا، أو صورة للآخر وقد استقرت في الداخل.

القلب: الحب بوصفه مقاومة ورعاية
تظهر القلوب البيضاء كعلامات مضيئة داخل فضاء كثيف بالحركة. وهي تشير إلى الحب والحنان والانتماء والرغبة في التواصل، وتمنح اللوحة بؤرًا عاطفية واضحة.
يقول بول كلي إن الفن يجعل المرئي ممكنًا، ويمكن تطبيق هذه الفكرة على القلوب؛ فالقلب هنا يجعل العاطفة مرئية، ويمنح الحب شكلًا قادرًا على الحضور داخل فضاء متحول. إن العلامة البسيطة تحمل تجربة إنسانية واسعة، وتحوّل الإحساس المجرد إلى صورة يمكن للعين أن تتعلق بها.
أما القلب المرتبط بساق نباتية، فيربط العاطفة بالنمو والتجذر. فالحب يظهر ككائن حي يحتاج إلى الرعاية والاستمرار، وتتحول العلاقة إلى شكل من أشكال الزراعة الوجدانية التي تمنح الإنسان قدرة على مقاومة الذبول. لأنه يحمل، في الوقت نفسه، معنى الأمل. فحجمه الصغير وسط المساحة الواسعة يبرز هشاشته، بينما يبرز بياضه قدرته على الإضاءة. إنه يمثل احتمال التواصل، ويمنح العاطفة حضورًا يقاوم كثافة العالم.
تمثل القلوب البيضاء محاولة للعبور من العزلة إلى التواصل. إنها تمنح الحب صورة صغيرة ومضيئة داخل عالم متحرك، وتطرح العاطفة بوصفها إمكانًا يحتاج إلى الرعاية.
يمكن استحضار تصور إريك فروم للحب بوصفه فنًا يحتاج إلى المعرفة والجهد والعناية. ويتوافق هذا التصور مع القلب المتصل بساق نباتية؛ فالحب يحتاج إلى جذور، وإلى زمن، وإلى عناية تحميه من الذبول.
لا يظهر القلب في اللوحة بوصفه انتصارًا نهائيًا، وإنما بوصفه فعل مقاومة. فهو يضيء داخل الفضاء المضطرب، ويمنح الإنسان قدرة على التمسك بالآخر، حتى حين يظل الوصول إليه ناقصًا.
ويبدو القلب في اللوحة أقرب إلى وعد صغير بالاستمرار. إنه يحفظ للعاطفة حضورها، ويمنح التجربة الإنسانية إمكانية تجاوز العزلة من خلال الرعاية والتعاطف والاعتراف.
الرمز يترك المعنى مفتوحًا
ينفتح الفن على معناه عبر الإيحاء والترميز، ويجعل المتلقي شريكًا في بناء الدلالة. فاللون الأخضر يحمل معنى الحياة والنمو، ويستوعب في الوقت نفسه القلق والكثافة والانفعال. ويحضر الفيروزي بوصفه لونًا للماء والحلم والذاكرة والسيولة.
ويشير البياض إلى النقاء والغياب والذكرى والاحتمال. أما الوجوه، فتتجاوز صورة الأشخاص لتصبح علامات على الهوية والذاكرة والانتظار. ويمنح القلب العمل دلالة تتصل بالحب والأمل والرغبة في العبور إلى الآخر.
تتحول الخطوط المتموجة إلى رمز للزمن والانفعال والذاكرة. فهي تقود العين بين الظهور والاختفاء، وتجعل الشكل في حالة تشكل مستمر. ومن خلال هذا التحول، يظل المعنى حيًا وقابلًا للتجدد.
يرى أمبرتو إيكو في مفهوم «العمل المفتوح» أن بعض الأعمال الفنية تتيح مسارات متعددة للتأويل، وتمنح المتلقي دورًا في استكمال بنيتها الدلالية. وينطبق ذلك على لوحة صبري يوسف؛ فالمتلقي لا يستقبل دلالة نهائية، وإنما يربط بين العلامات وفق تجربته وذاكرته وحساسيته.
تنبع قوة الرمز من قدرته على الجمع بين الحسي والمجرد. فالقلب شكل مرئي، لكنه يحمل معنى الحب؛ والوجه ملامح مادية، لكنه يحمل سؤال الهوية؛ واللون مادة، لكنه يتحول إلى حالة شعورية وفكرية.
الذاكرة حين تستعيد العالم
تبدو الألوان المتراكبة كطبقات من زمن مضى، وتحمل الوجوه آثار تجارب سابقة. فالماضي يحضر في اللوحة عبر الشذرات والملامح الناقصة والانفعالات المضمرة.
يتحرك الزمن داخل اللوحة مثل موجة تعود في صور مختلفة. يظهر الماضي في لون أو وجه أو إحساس، ثم يستعيد حضوره في الوعي من خلال أثره. وهكذا تغدو الذاكرة إعادة بناء مستمرة للتجربة.
يمكن وصل هذا المعنى برؤية غاستون باشلار للصور الحميمة التي تحفظها الذاكرة، حيث يلتقي الخيال بالماضي ويمنحه حياة جديدة. فالوجوه في اللوحة تستعيد أثر التجارب، وتعيد صياغة الماضي في هيئة لونية قابلة للتحول.
وتتحول الخطوط المتموجة إلى صورة للزمن؛ فهي تتقدم وتتراجع، وتعيد تشكيل الأشكال، وتجعل الماضي حاضرًا عبر الإحساس. وهكذا يصبح الزمن داخل اللوحة حركة داخلية، لا تسلسلًا خارجيًا للأحداث.
القرب الذي يحفظ المسافة
تتجاور الوجوه داخل اللوحة، وتحتفظ كل شخصية بمسافتها الداخلية. ويكشف هذا التكوين عن علاقة الإنسان بالآخر؛ فالقرب المكاني يرافقه أحيانًا بُعد نفسي ووجودي.
إذ يمنح إيمانويل ليفيناس وجه الآخر مكانة مركزية في التجربة الإنسانية، لأن مواجهة الوجه توقظ في الذات الإحساس بالمسؤولية والاعتراف. فإن اللوحة تقدم الوجوه بوصفها دعوات إلى التواصل، مع احتفاظ كل وجه بغموضه وفرادته.
تظهر العزلة هنا في صورة حضور الآخرين. فالذات تعيش بين الوجوه، وتحاول الاقتراب منها، وتدرك في الوقت نفسه أن لكل إنسان عالمه الداخلي الذي يحتفظ بجزء من سره. وهكذا تتحول المسافة إلى شرط للحوار، وتصبح الرغبة في الاقتراب جزءًا من معنى العزلة نفسها.
فتكتسب القلوب في هذا السياق قيمة إضافية؛ فهي تمثل محاولات للعبور، وتمنح الوجوه إمكانية الاعتراف المتبادل. فالحب يضيء المسافة، ويجعلها مجالًا للتقارب والتأمل.
الإنسان والطبيعة: نسيج واحد
حين يقول سيزان: «إنها تؤمن بي وأنا ضميرها»، فإنه يمنح الفنان وظيفة تتجاوز نقل المنظر الطبيعي. فالفنان يصغي إلى الطبيعة، ويمنح صمتها لغة، ويكشف إيقاعها الداخلي.
تظهر الطبيعة في لوحة صبري يوسف من خلال الأخضر والفيروزي والخطوط النباتية والحركة المائية. وتتداخل هذه العناصر مع الوجوه، فتتحول الطبيعة إلى جزء من تكوين الإنسان وذاكرته.
ينسجم ذلك مع تصور سيزان الذي كان يرى أن الفن يحقق تناغمًا يوازي تناغم الطبيعة. فالتموجات في اللوحة تشبه الماء والنبات، لكنها تعبّر في الوقت نفسه عن اضطراب الذاكرة وتقلب الوجدان.
يصبح الفنان ضمير الطبيعة حين يجعلها قادرة على الكلام عبر اللون. فالطبيعة تمنح الوجوه سيولتها، والوجوه تمنح الطبيعة معناها الإنساني. ومن هذا التبادل ينشأ عالم بصري يتوحد فيه الإنسان ومحيطه.
تتأسس اللوحة على تبادل مستمر بين الإنسان والطبيعة. تمنح الوجوه الطبيعة بعدًا وجدانيًا، وتمنح الطبيعة الوجوه حركة وعمقًا يتجاوزان حدود البورتريه.
يمكن وصل هذا المعنى برؤية ميرلو-بونتي التي تجعل الجسد والعالم داخل نسيج واحد، حيث يرى الإنسان العالم لأنه ينتمي إليه، ويظهر العالم من خلال الجسد الذي يعيشه. وفي لوحة صبري يوسف، يتداخل الجسد بالنبات والماء واللون، فتظهر الذات جزءًا من محيطها.
لا يقدّم الفنان الطبيعة باعتبارها خلفية صامتة، بل يجعلها شريكًا في تكوين الإنسان. فاللون الطبيعي يتحول إلى ذاكرة، والنبات يتحول إلى استعارة للحب، والماء يتحول إلى صورة للزمن والانفعال.
تتحول الطبيعة إلى مرآة للروح، بينما تتحول الوجوه إلى ذاكرة حية للطبيعة. ومن هنا تكتسب اللوحة بعدها الوجودي؛ فالإنسان يحافظ على فرديته، مع احتفاظه بانتمائه إلى العالم الذي يمنحه الحياة والمعنى.
جماليات الاضطراب
تقوم اللوحة على حركة كثيفة من الألوان والخطوط، وتجمع بين الانسياب والاضطراب. تظهر الوجوه والقلوب داخل هذا المجال بوصفها علامات تمنح العين نقاطًا للتعلق.
يرى نيتشه أن الفن يمنح الوجود قابلية للتحمل، لأنه يخلق من الفوضى إيقاعًا ومن الألم صورة. وتتحقق هذه الفكرة في اللوحة؛ فالحركة الكثيفة تتحول إلى نظام وجداني يستند إلى التكرار والإيقاع والتوازن بين الكتل.
تمنح التموجات العمل إحساسًا بالاضطراب، بينما تمنحه الوجوه والقلوب قدرًا من التماسك. ومن هنا ينبني جمال اللوحة على التوتر بين النظام والفوضى، وبين الرغبة في الوضوح وقوة الغموض.
تمنح كثافة الملمس العمل إيقاعه الخاص، وقد تتقارب بعض المناطق بصريًا، غير أن هذا التقارب ينسجم مع رؤية اللوحة، لأنه يحافظ على إحساس التحول والاستمرار. فالتشوش هنا جزء من التجربة، لأنه يعبر عن عالم داخلي متحرك تتجاور فيه الرغبة في الوضوح مع قوة الغموض.
ثلاث حركات وجودية
تطرح اللوحة سؤال الإنسان حين يبحث عن ذاته داخل عالم متغير. وتظهر الوجوه بوصفها احتمالات للهوية، وتتحول الملامح إلى مسار دائم للتشكل.
يمكن ربط ذلك بفكرة بول ريكور حول الهوية السردية، حيث تتكون الذات من خلال ما ترويه عن نفسها ومن خلال ما يرويه الآخرون عنها. فالوجوه المتعددة في اللوحة تشبه فصولًا مختلفة من سيرة داخلية واحدة، واللون يحفظ آثار هذه السيرة وانفعالاتها.
وتتأسس اللوحة على ثلاث حركات وجودية: ذات تبحث عن هويتها، وذاكرة تعيد صياغة ماضيها، وعاطفة تسعى إلى الوصول إلى الآخر. وتلتقي هذه الحركات داخل فضاء طبيعي يمنحها الحركة والحياة.
تظهر الأنا في الوجه المركزي، وتتجسد الذاكرة في الطبقات المتموجة، ويظهر الحب في القلوب البيضاء، بينما تمنح الطبيعة اللوحة إيقاعها الحيوي. وهكذا تتحول العناصر إلى منظومة فلسفية متكاملة.
خاتمة
يمكن قراءة اللوحة بوصفها تأملًا في الإنسان بين حاجته إلى الانتماء ورغبته في الاحتفاظ بفرادته. يمثل الوجه المركزي الأنا في بحثها عن صورتها، وتمثل الوجوه المحيطة تعدد الذوات، بينما تمثل القلوب البيضاء إمكان بناء علاقة تتجاوز العزلة.
إنها لوحة عن ذاكرة تعيد بناء الأشياء عبر الإحساس، وعن حب يحافظ على نوره وسط عالم متحول، وعن طبيعة تتحول إلى لغة للروح. وهي تكشف الفنان بوصفه وسيطًا بين المرئي والخفي، وبين العالم وصمته، وبين الطبيعة وحاجتها إلى صوت.
وتتجلى قيمة العمل في جمعه بين الحس والفكر، وبين اللون والرمز، وبين التجربة الفردية والأسئلة الإنسانية العامة. فاللوحة تمنح الوجود هيئة مرئية، وتجعل اللون طريقًا إلى سؤال الإنسان عن نفسه وعن العالم.
حين يصير اللون سؤالًا عن الوجود إذن تتجاوز اللوحة حدود المشاهدة العابرة، وتتحول إلى تجربة يعيشها المتلقي بعينه وذاكرته وجسده يبقى السؤال مفتوحًا: كيف يحافظ الإنسان على قلبه وهويته، بينما تتغير ملامحه باستمرار؟
وكيف يستطيع الفن أن يمنح هذا التحول صورة تظل حية في الذاكرة؟



