مقالات

محطات التحلية .. من يصدق أننا نستورد الرمل؟

بقلم: عبدالله آل سالم القحطاني

alamhar@hotmail.com

في إحدى السنوات، وعلى هامش زيارة سياحية إلى الولايات المتحدة، كنت أجلس في ردهة أحد الفنادق، وبين يدي فنجانا من القهوة الساخنة، أتأمل المنظر وحركة المكان من حولي، حين دار بيني وبين رجل أمريكي تبدو عليه سمات الهيبة والوقار حديث عابر. سألني عن بلدي، فقلت له: السعودية. أخبرني أنه يرأس شركة تصدّر إلى المملكة منتجات صناعية، ثم أضاف بهدوء: (ونحن أيضًا نصدر إلى السعودية الرمل)

ضحكت وقلت له مستغربًا: الرمل؟! لدينا واحدة من أكبر الصحاري في العالم، وتصدرون لنا الرمل؟ هل تمزح؟

لكنه أجابني بجدية: لا، أنا لا أمزح. وحين سألته مندهشا عن السبب، قال إنهم يصدرون نوعًا خاصًا من الرمل يستخدم في فلاتر بعض محطات تحلية المياه. بقيت تلك الحكاية عالقة في ذاكرتي؛ ففيها مفارقة تختصر شيئًا من قصة الماء في بلادنا. بلد يبدو الرمل فيه أكثر الأشياء وفرة، ومع ذلك قد يأتيه الرمل من وراء البحار، لا للبناء، وإنما ليكون جزءًا من رحلة تنتهي بالماء.

منذ القدم كانت البئر تعني الحياة. حولها تستقر القوافل، وبجوارها تنشأ الواحات، وعندها يجد المسافر ما يعينه على مواصلة الطريق. كانت البئر أكثر من حفرة في الأرض؛ كانت وعدًا بالبقاء في أرض لم تكن تمنح الماء بسهولة.

لكن المملكة لا تملك أنهارًا دائمة الجريان، والأمطار محدودة ومتفاوتة، وبعض المياه الجوفية تكونت في عصور مناخية قديمة، فلا يمكن التعامل معها كلها كمورد متجدد. ومع نمو المدن وتزايد السكان واتساع النشاط الزراعي والصناعي، أصبح السؤال أكثر إلحاحًا: إذا كانت الأرض لا تستطيع أن تعطي مياه إلى الأبد، فمن أين يأتي ماء المستقبل؟ وكان البحر ينتظر.

بدأت البدايات الأولى لتحلية مياه البحر في جدة، ثم تطورت التجربة عبر العقود، حتى تأسست المؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة عام 1974م، وتحولت التحلية تدريجيًا إلى صناعة وطنية ضخمة، أصبحت جزءًا أساسيًا من منظومة الأمن المائي في المملكة.

كبرت المحطات، وتطورت التقنيات، وامتدت الأنابيب من السواحل إلى قلب البلاد. وفي مدن مثل الجبيل ورأس الخير وينبع وجدة والشعيبة والشقيق وغيرها، أصبح البحر مصدرًا للماء العذب، ثم بدأت رحلة أخرى: نقل هذا الماء إلى المدن والقرى التي لا ترى البحر.

وهكذا حدث تحول يكاد يحمل شيئًا من الشعر في معناه: كان الإنسان قديمًا يذهب إلى الماء، أما الماء اليوم أصبح هو الذي يذهب إلى الإنسان.

لكن المملكة لم تنظر إلى الأمن المائي على أنه مجرد زيادة في عدد محطات التحلية. ففي إطار رؤية السعودية 2030، أصبح الماء جزءًا من منظومة أشمل، تستهدف تنويع مصادر الإمداد، وزيادة التحلية، ورفع سعة التخزين الاستراتيجي، وإعادة استخدام المياه المعالجة، وترشيد الاستهلاك، وتقليل استنزاف المياه الجوفية غير المتجددة، ورفع كفاءة شبكات النقل والتوزيع. وهذه التوجهات تنفذ من خلال الاستراتيجية الوطنية للمياه 2030 وبرامجها ومبادراتها.

والمعنى الأعمق لذلك أن المملكة لا تريد أن تبحث عن الماء عند الحاجة إليه فقط، وإنما تريد أن تبني منظومة تعرف كيف تنتجه، وتحفظه، وتنقله، وتعيد استخدامه، وتستعد به للظروف الطارئة. فالاستراتيجية الوطنية للمياه تتضمن بالفعل خططًا لإدارة المخاطر والطوارئ، ومواجهة التهديد والتحديات، وتوسيع الخزن الاستراتيجي، وتطوير مصادر المياه الجوفية، وتعزيز إعادة استخدام المياه المعالجة، وتقليل الفاقد في الشبكات. لكن قصة الماء في المملكة لا تنتهي عند البحر. فهناك ماءً آخر، أكثر غموضًا، تختبئ صفحاته تحت الرمال.

أتذكر هنا معلومة سمعتها قبل سنين على هامش إحدى المحاضرات العلمية من مدير جامعة الملك فهد للبترول والمعادن آنذاك ، الدكتور بكر عبدالله بن بكر ، رحمه الله ، وقد توفي في يوليو هذا العام 2026م وهو أول مهندس بترول سعودي في أرامكو وأول مدير وعميد للجامعة واستمر في قيادتها لمدة 25 عاما، قال: أن الدراسات الجيولوجية المتعمقة والمتحفظة توصلت إلى وجود مخزون هائل من المياه الجوفية في منطقة الربع الخالي، تعادل كميته ما يصبّه نهر النيل في البحر الأبيض المتوسط لمدة (500) خمسمائة عام. وهي معلومة صادمة، مدهشة، مفرحة ومبهجة. ومجرد وجود هذه المعلومة بهذا الحجم يستحق، في رأيي، أن يعاد فتح ملفها اليوم بأحدث ما وصلت إليه علوم الجيولوجيا والمياه والاستشعار والدراسات الجوفية.

وهنا أرى أن الفكرة تلتقي بوضوح مع الروح التي تقوم عليها رؤية الأمير محمد بن سلمان للمستقبل؛ رؤية لا تكتفي بما هو متاح اليوم، بل تدفع إلى اكتشاف الإمكانات الكامنة في هذه البلاد، وتنويع مواردها، ورفع كفاءة استثمارها، وبناء احتياطيات أكثر قدرة على مواجهة المستقبل.

ولذلك فإن دراسة مخزون الربع الخالي لا تعني الدعوة إلى استنزافه، ولا إلى الاستغناء عن التحلية، وإنما إلى معرفة ما تحت أقدامنا بدقة. فإذا أثبتت الدراسات الحديثة وجود مخزون قابل للاستفادة الآمنة والمستدامة، فسيكون بديهيا رصيدًا مائيًا استراتيجيًا، واحتياطيًا للمستقبل، ورديفًا للتحلية عند الحاجة.

فالأمن المائي لا يصنعه مصدر واحد، وإنما تصنعه منظومة تعرف قيمة كل قطرة، وتضع لكل مصدر دوره، وتترك للأجيال القادمة أكثر من طريق للوصول إلى الماء.

وأعود إلى ذلك الرجل الأمريكي، وإلى جملته التي أضحكتني يومًا: «نحن نصدر إلى السعودية الرمل».

كم تبدو الجملة مختلفة الآن. فقد كنت أرى الرمل يومها شيئًا لا ينقصنا، ولم أكن أعرف أن بعضه قد يدخل في رحلة تنتهي بالماء؛ وأن البحر، بكل ما فيه من ملوحة واتساع، يمكن أن يصبح أقرب إلينا من الآبار؛ وأن هذه الصحراء التي طالما عرّفتنا بالعطش، ربما تخفي تحت صمتها ماءً أقدم من ذاكرتنا التاريخية. ولعل للماء في هذه البلاد حكايته الخاصة؛ يخرج من بئر في قلب الصحراء، ويأتي من بحر بعيد، ثم يعود فيبحث عن طريق آخر في أعماق الأرض. وحين أنظر اليوم إلى امتداد الرمال، لا أراها كما كنت أراها من قبل. أراها أرضًا تحفظ آثار الذين عطشوا، وخطى الذين بحثوا عن الماء، وأسرارًا لم يقل باطنها كل ما لديه.

وربما لهذا لا تنتهي حكاية الماء عند آخر محطة تحلية، ولا عند آخر أنبوب يمتد عبر الصحراء. فما زال البحر أمامنا، وما زالت الأرض تحتنا، وما بينهما إنسان تعلّم، عبر السنين، ألا يستسلم للعطش.

أما الرمل الذي ضحكت منه ذات يوم، فلم يعد في عيني مجرد رمل. صار ذاكرةً للعطش، وطريقًا إلى الماء، وربما سرًا آخر لم تبح به الصحراء بعد.

.=

=

=

=

اصطفاف السيارات والشاحنات يسد عين الشمس في عدة شوارع

لم يكن يشغلني سوى البحث عن فرجةٍ بينها لأتمكن من الوصول إلى بغيتي

كان لدي موعد مهم في ذلك الضحى، فوصلت مستغرقًا وقتًا مضاعفًا عما يستحقه مشواري، فدخلت في حالة من القرف والغليان.

قضيت شأني، وعدت إلى مدخل حارتنا، يحدوني الأمل في أن أجد الطريق أكثر رحمة

فجأة بدأت السيارات تتكاثر كنبات الفطر

كان المسجد في مرمى نظري، لكن عنق زجاجة تشكّل أمامي، فحرمني من الجماعة الأولى لصلاة الظهر.

خرجت من المسجد، وإذ بباص المدرسة الأصفر العملاق قد تطاول أمامي. سألت نفسي ببلاهة:

أهذه حافلة مسافرين بين المدن، أم ماذا؟…

تقدّم، ثم تراجع، ثم تقدّم، ثلاث مرات، حتى استوى في مكانه، وبدأ يزحف ببطء.

ومن بعيد، بدا باص مدرسة أهلية، أبيض اللون، حجمه معقول، فحمدت الله أن أمامي شيئًا لا يزال يتفق مع “الحال الطبيعي”

اشتريت ما يلزم لغدائي، وعدت إلى بيتنا خائر القوى، بعد رحلة يوم شاقة.

وأنا أصعد الدرج إلى بيتنا، تذكرت أنني قرأت – قبل فترة – عن انضمام مدينتنا إلى «مبادرة جودة الحياة» العالمية

=

=

=

=

قصة قصيرة جدا

–

سراب

لم يكن منظر سيارته الهرمة يوحي برجل يجيد لفتات الدلال. ومع ذلك كان كلّ صباح يترك المقود ويترجل ليفتح لزوجته باب السيارة

ظللن زميلاتها المعلمات يغبطنها على اهتمامه بها، بينما هي تكتم السر.

في نهاية العام صار في سجله العائلي: مثنى وثلاث.

عندها قالت إحداهن للأخرى:

بريقُ مقبض الباب أعمى عيوننا

=

ذاكرة سمكة

التؤامان سامية وسمية ولدا أولا، وبعدهما جاء أخٌ وأختٌ كبر الأربعة وتفرّقوا بعد الزواج في مدن مختلفة.

ورثوا قطعة أرض عن أبيهم وأمهم، فاتفقوا على بيعها وتقاسم ثمنها.

أصبحت سامية الوكيلة عنهم في إجراءات البيع.

وفي مجلس الإفراغ أجابت الموظف عن كل تساؤلاته حول أسماء إخوتها ومعلومات هوياتهم، لكنها توقفت طويلا تتبين تاريخ ميلاد سمية الذي كان مموها في بطاقتها.

اتصلت بها على عجل تسألها، فردت تضحك من قلبها

–

–

–

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com