مقالات

الشيخ ناصر السبيحي .. سليل العراقة وخدمة الدولة

عبدالحي إبراهيم الغبيشي

تأتي مناسبة تنصيب الشيخ ناصر بن سعيد بن جمعان السبيحي شيخًا لقبيلتي بني حرير وبني عدوان، خلفًا لوالده الشيخ سعيد بن جمعان السبيحي، مناسبة تستدعي التوقف عند تاريخ أسرة ارتبط اسمها بالمشيخة، وخدمة القبيلة والدولة، واستحقت مكانتها بما راكمته عبر أجيال، من حضور اجتماعي، وإسهام في الإصلاح، وخدمة الناس.

وتُعتبر أسرة آل السبيحي من الأسر الزهرانية العريقة في المشيخة بمنطقة الباحة، وهم من أهل الحكمة والرأي والبصيرة، حمل رجالها هذه المسؤولية جيلًا بعد جيل، وكان لهم حضور في قضايا قبيلتي بني حرير وبني عدوان، وفي علاقتهما بالدولة السعودية منذ عهد التأسيس.

وبهذه المناسبة الغالية، نرفع أسمى آيات التهاني والتبريكات للشيخ ناصر السبيحي، الذي احتفل الأعيان بتنصيبه الجمعة الماضية.

إن قبيلتي بني حرير وبني عدوان تُعدّان من أعرق قبائل زهران وأصالتها، وهما بوابة زهران الشمالية وحصنها المنيع. عُرف عن أهلها منذ القدم الكرم والشجاعة والحكمة، ورجالها أهل عرف وحكمة وإصلاح ذات البين، لهم مكانتهم في كل محفل، وسمعتهم الطيبة التي توارثوها جيلًا بعد جيل. لا يُذكر الكرم والحكمة إلا وذُكروا، ولا يُذكر الإقدام والوفاء إلا وكانوا في مقدمة الصفوف.

ومن هنا فإن اختيار الشيخ ناصر لم يأتِ إلا لأنه أهلٌ لهذه المكانة، فهو ابن تلك الدوحة الكريمة، تربى على قيم الرجال، ونهل من مجالس الحكمة التي عُرفت بها أسرة آل السبيحي التي قادت هاتين القبيلتين بحنكة واقتدار لعقود طويلة.

إن هذه الأسرة عُرفت بتواصلها الوثيق مع القيادة السعودية في إطار خدمة القبيلة. فالجد المؤسس الشيخ راشد بن دخيل الله العدواني – رحمه الله – الذي تولى مشيخة قبيلتي بني عدوان وبني حرير بعد وفاة الشيخ معيض بن حسين، وفي عهد دخلت القبيلتان تحت الحكم السعودي الزاهر، فقد كان من أعيان زهران ومن رجال الملك عبد العزيز المخلصين، وقد شارك في فتح الطائف، وبعد استقرار الأوضاع كتب له الأمير والقائد السعودي خالد بن منصور بن لؤي عام 1340هـ كتابًا إلى كافة من يراه من المسلمين أوضح فيه أن الشيخ راشد السبيحي من أتباع الدولة السعودية، وكلفه بالطواف على قبائل زهران وغامد والقيام على خروص الزراعة والماشية وجباية الزكاة، وجاء في الخطاب ما معناه: “لا أحد يعارضه”. وقد تلقى – رحمه الله – عدة مكاتبات من الملك عبد العزيز وأمراء المناطق في ذلك الوقت.

وقد لزمت المشيخة الشيخ راشد على بني عدوان وبني حرير حتى عام 1358هـ، وكانت سيرته حافلة بالعطاء، له دور بارز في الكثير من الأنشطة، وخاصة فتح الطرق، يحفظ له التاريخ مبادرته الرائدة في فتح طريق السيارات من مفرق الطريق المؤدي للصور ببني الحارث عن طريق شمرخ حتى أوصله إلى قرية سبيحة ثم قرية محوية.

وتذكر وثيقة مرفوعة لإمارة الطائف أنه استخدم في ذلك خمسين شغيلًا، بالإضافة إلى ما كان لديه من العبيد وسيارتين لنقل المعدات والمؤن، ثم حذت القبائل الأخرى حذوه حتى أوصلت الطريق إلى مقر الإمارة بالظفير، وقد توفي الشيخ راشد – رحمه الله – عن عمر يناهز الثمانين عامًا بعد أن أوصى على بنيه الأمير فيصل بن عبدالعزيز – رحمه الله – فكان سموه نعم الوصي.

ثم خلفه ابنه الشيخ جمعان بن راشد – رحمه الله – في إدارة دفة المشيخة، وكان أخوه عتيبي بن راشد ملازمًا ومعاونًا له في حل قضايا القبيلة الداخلية والخارجية.

وكان للشيخ جمعان نفوذ واسع مع جميع القبائل المجاورة وحل النزاعات، صاحب حنكة وعلى اطلاع واسع بمجريات الأمور السياسية نتيجة مقابلاته المتواصلة بالمسؤولين في مكة والطائف والظفير، إضافة إلى أنه كان صديقًا حميمًا مقربًا لسمو الأمير فيصل بن عبدالعزيز، مما أكسبه حنكة سياسية مكنته من تسيير دفة المشيخة طوال حياته.

وقد شاركت القبيلة في عهده في بناء مستشفى مكة المكرمة، وذلك تخليدًا لذكرى عودة الملك المؤسس من مصر بعد زيارته التاريخية عام 1365هـ. وقد واصل الشيخ جمعان عمله في مشيخة القبيلتين والنهوض بها بكل إخلاص وأمانة حتى طلب الإعفاء من منصبه عام 1410هـ.

ثم تولى المشيخة من بعده الشيخ سعيد بن جمعان السبيحي – حفظه الله – فواصل المسير بطموح الشباب وحكمة الشيوخ، وهو شخصية فذة يتمتع بذاكرة وقّادة وحكمة، وقد تشرفت بزيارته في منزله العامر بسبيحة عام 1428هـ، فزودني بمعلومات ثرية عن تاريخ القبيلتين.

ومما حدثني به عن والدي – رحمه الله – أثناء إقامته في هذه القبيلة، حيث كُلف بافتتاح مدرسة بني عدوان سنة 1372هـ، وهي من أقدم مدارس المنطقة، وقد خلفه على إدارة المدرسة الشيخ سعيد المثيلي رحمهما الله، ورغم أن الشيخ جمعان السبيحي كان يرغب أن تكون المدرسة في قريته سبيحة مقر المشيخة، إلا أن المصلحة العامة قُدمت.

ومما حدثني به الشيخ سعيد السبيحي أيضًا عن والدي الشيخ إبراهيم الغبيشي في مطلع السبعينيات الهجرية، أنه طُلب من والدي بعد صلاة الجمعة في قرية سبيحة قراءة “الراتب” على سارق مجهول لردعه، وهي وسيلة وقتها كانت متبعة بأن يقول: الأولى يا الله والثانية يا الله إلى العاشرة، والناس يقولون آمين، ثم يدعو على من فعل كذا.

فما كان من والدي إلا أن خالف هذا الرأي، وبعد أن أتم العاشرة قال: “اللهم اهده وأصلحه”. فاستغرب أهل القرية وقالوا: لماذا تقول هذا؟ فقال كلمته الحكيمة: “لو دعونا عليه لاستمر في السرقة وسرقنا جميعًا”. فكانت حكمة إصلاح لا انتقام.

واليوم فإن اختيار الشيخ ناصر بن سعيد السبيحي هو اختيار في محله، فهو خير خلف لخير سلف، نشأ في مجالس الكرم والشجاعة، وتشبع بقيم أهل العرف والحكمة، وهو قادر بإذن الله على حمل الأمانة ومواصلة مسيرة الآباء والأجداد في خدمة الدين ثم المليك والوطن.

وفي الختام، نسأل الله له التوفيق والسداد، وأن يعينه على حمل المسؤولية، وأن يحفظ والده الشيخ سعيد ويمتعه بالصحة والعافية، وأن يديم على بلادنا أمنها وعزها في ظل قيادتنا الرشيدة.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com