مقالات

ناجحة في الرسوب

هيفاء نورالدين
“عن الأشياء التي لم نتعلّمها في الوقت المناسب، وعن الحياة التي لم تمنحنا شهادةً رغم كل ما خضناه من امتحانات.”

لا أعرف في أيّ مرحلة من العمر قرّرنا أن النجاح يعني الوصول، وأن الرسوب يعني الخسارة، وأن علينا جميعًا أن نسير في الطريق نفسه، بالسرعة نفسها، نحو نهايات متشابهة. ربما تعلّمنا ذلك في المدرسة، حين كانت العلامات الحمراء تبدو أكثر رعبًا من الأخطاء نفسها، وحين كان علينا أن نحفظ الإجابات الصحيحة قبل أن نفهم الأسئلة.

أتذكّر دفاتر المدرسة، رائحة الأوراق الجديدة، الأقلام التي كنّا نشتريها مع بداية العام الدراسي، والحقائب التي نحملها على ظهورنا كأننا نحمل مستقبلًا كاملًا. كنّا نعتقد أن الحياة تشبه الامتحان: ندرس جيدًا، نجيب عن الأسئلة، ثم نخرج في نهاية العام بشهادة تثبت أننا أصبحنا مؤهلين للانتقال إلى المرحلة التالية.

لم يخبرنا أحد أن بعض الامتحانات لا نعرف موعدها، وأن بعضها يأتي في هيئة إنسان نحبّه، أو باب يُغلق فجأة، أو حلم نطارده سنوات ثم نكتشف أننا لم نعد نريده. لم يخبرنا أحد أن الحياة قد تمنحنا أعلى الدرجات في أشياء لا نحتاجها، ثم تتركنا راسبين في أبسط دروس الطمأنينة.

كبرنا، وبدأت الامتحانات الحقيقية.

امتحان الصداقة، حين نكتشف أن الذين تقاسموا معنا مقاعد الدراسة لا يستطيعون دائمًا تقاسم معنا أعباء الحياة. امتحان الحب، حين نمنح أحدهم قلبنا كاملًا ثم نكتشف أننا لم نقرأ الشروط الصغيرة المكتوبة في أسفل العقد. امتحان الفقد، حين يغيب وجه اعتدنا رؤيته، ونكتشف أن الذاكرة لا تستطيع أن تعوّض حضوره، مهما أتقنّا استدعاء التفاصيل.

ثم يأتي امتحان الوقت؛ ذلك الأستاذ الذي لا يشرح دروسه، ولا يقبل الأعذار، ولا يسمح لنا بإعادة السنة. نلتفت فجأة فنجد أن بعض الوجوه قد شاخت، وأن البيوت التي عرفناها تغيّرت، وأن أصواتًا كانت تملأ المساء لم تعد موجودة إلا في تسجيل قديم أو حكاية ترويها أمّ في لحظة حنين.

وحدها الذكريات لا تعترف بالتقويم. تستطيع أن تعيدنا، في ثانية واحدة، إلى مقعد قرب النافذة، أو إلى شارع في طرابلس كانت أشجاره تبدو أطول مما هي عليه الآن، أو إلى مساء عاديّ لم نكن نعرف أنه سيصبح، بعد سنوات، واحدًا من أكثر أمسياتنا ثراءً بالحنين.

كم من الأشياء عشناها دون أن نمنحها اسمًا! جلسة عائلية لم يكن فيها شيء استثنائي، ضحكة أمي من غرفة أخرى، رائحة الطعام في البيت، صوت باب يُفتح عند عودة أحدهم، ومشوار قصير كنا نتذمّر من طوله، ثم صرنا نتمنّى لو يعود بنا الزمن إليه.

لم نكن نعرف أننا نعيش أيامًا ستصبح يومًا ما أمنيات.

هذه هي الحيلة التي يمارسها العمر معنا؛ يجعلنا نعبر اللحظات العادية دون انتباه، ثم يعيدها إلينا بعد سنوات في هيئة كنوز لا نستطيع استعادتها. وربما لهذا السبب أصبح الحنين ضيفًا دائمًا في حياة من تقدّم بهم العمر؛ ليس لأن الماضي كان كاملًا، بل لأننا لم نكن نعرف آنذاك كم كانت بعض الأشياء قابلةً للفقد.

ومع ذلك، لا أريد أن أحمّل الماضي مسؤولية كل ما أشعر به اليوم. أعرف أن طفولتنا لم تكن خالية من الحزن، وأن شبابنا لم يكن قصيدةً طويلة، وأننا أخطأنا في حق أنفسنا أحيانًا، وأضعنا فرصًا، وصدّقنا أشخاصًا لم يكونوا جديرين بثقتنا. لكنني أعرف أيضًا أننا كنّا نحاول، كلٌّ بطريقته، أن يفهم هذه الحياة الغامضة.

وربما كانت مشكلتنا أننا حاولنا طويلًا أن نكون ناجحين في أعين الجميع.

أن نختار ما يرضي العائلة، وما يقبله المجتمع، وما يبدو منطقيًا أمام الناس. أن نكبر في الوقت المناسب، ونحبّ بحذر، ونحزن دون إزعاج أحد، وننهض بسرعة كي لا يلاحظ الآخرون أننا تعبنا. حتى أحزاننا حاولنا ترتيبها لتبدو لائقة، وكأن للقلب لائحةً داخليةً يجب ألّا يخالفها.

لكن ماذا لو كان بعض الرسوب نجاة؟

ماذا لو كان فشلنا في الاحتفاظ بأشخاص معيّنين هو ما أعادنا إلى أنفسنا؟ وماذا لو كانت الأبواب التي لم تُفتح لنا قد جنّبتنا حياةً لم تكن تشبهنا؟ وماذا لو أن الأحلام التي لم تتحقق تركت لنا مساحةً لاكتشاف أحلام أخرى، أكثر صدقًا مع ما أصبحنا عليه؟

لا أقول ذلك لأجمّل الخيبات. فالخيبة موجعة، والفقد لا يصبح سهلًا لمجرد أننا تعلّمنا كيف نصفه بالكلمات. هناك أشياء تمنّيناها بكل ما فينا، ولم تحدث. وهناك أشخاص انتظرنا منهم موقفًا واحدًا، فلم يفعلوا. وهناك أيام تمنّينا لو امتلكنا فيها شجاعةً أكبر، أو كلمةً أوضح، أو قلبًا أقلّ اندفاعًا.

لكن العمر، حين يتقدّم بنا، يمنحنا شيئًا من الرحمة تجاه نسخنا القديمة. نتوقّف عن محاكمة أنفسنا على كل قرار اتخذناه ونحن لا نعرف ما نعرفه الآن. نفهم أن الإنسان لا يستطيع أن يكون حكيمًا في بداية الطريق، وأن بعض الدروس لا تُفهم بالشرح، بل بالتجربة، وبعضها لا نفهمه إلا بعد أن يصبح الرجوع مستحيلًا.

أنا اليوم لا أريد أن أكون الأولى في سباق لم أختره، ولا أن أقدّم للآخرين كشف درجات عن حياتي. لم أعد أعتقد أن الإنسان يُقاس بما جمعه من نجاحات، أو بما حققه في العمر الذي حدّده الآخرون له. ثمة نجاحات لا يراها أحد: أن تحتفظ بقدرتك على الحب بعد الخذلان، وأن تضحك بعد أيام ثقيلة، وأن تبدأ من جديد دون أن تكره النسخة التي فشلت في المرة السابقة.

وثمة انتصارات صغيرة لا تُعلّق لها الشهادات على الجدران؛ أن تقول لا حين اعتدت قول نعم، أن تغادر مكانًا لم يعد يتّسع لك، أن تسامح نفسك على ما لم تكن تعرفه، وأن تتعلّم أخيرًا ألّا تجعل رضا الجميع شرطًا لرضاك عن نفسك.

ربما لهذا أجدني أميل إلى الأشياء التي لا تُمنح درجات. إلى فنجان قهوة أحتسيه على مهل، وكتاب يعيد إليّ أسئلة قديمة، ورسم صغير أضع فيه شيئًا من روحي، ومطر يوقظ في داخلي مدينةً لا تزال تسكنني. إلى مكالمة مع أمي، وضحكة تأتي في وقت غير متوقّع، وذكرى تجعلني أبتسم رغم أنني أعرف أن زمنها لن يعود.

هذه الأشياء لا تدخل في السيرة الذاتية، ولا تزيد رصيدنا أمام العالم، لكنها تجعل الحياة قابلةً للاحتمال، وتجعلنا نشعر بأننا لم نخرج منها خالي الوفاض.

في النهاية، لست متأكدةً أنني نجحت في الدروس التي كان ينبغي أن أتعلّمها، ولا أنني تجاوزت كل ما كان عليّ تجاوزه. ما زلت أحنّ، وأتردّد، وأخطئ في تقدير بعض الأشياء، وأمنح قلبي أحيانًا فرصًا إضافية لا يوافق عليها عقلي. ما زلت ألتفت إلى الخلف، لا رغبةً في العودة دائمًا، بل لأطمئن إلى أن تلك المرأة التي كنتها لم تختفِ تمامًا.

ولعلّ هذا ما أريده من العمر: ألّا يجعلني أكثر قسوة، وألّا ينتزع مني الدهشة، وألّا يقنعني بأن النجاة تعني ألّا نشعر بشيء.

فإن كان لا بدّ من شهادةٍ أحملها في نهاية هذه الرحلة، فلتكن شهادةً لا تحمل توقيع أحد، ولا تحتاج إلى ختم، ولا تُعلّق على جدار.

شهادة تقول إنني عشت، وأحببت، وأخطأت، وانتظرت، وخسرت أشياء، وربحت نفسي أحيانًا بعد أن كدت أفقدها.

وإنني، رغم كل ما لم يحدث، ما زلت هنا.

ربما لم أكن تلميذةً متفوّقة في مدرسة الحياة، لكنني تعلّمت أخيرًا أن بعضنا لا يرسب لأنه لم يفهم الدرس؛ بل لأنه كان يحاول أن يجيب عن أسئلة لم تكن تشبهه أصلًا.

وهكذا، وبشيء من الحنين، وقليل من السخرية، وكثير من التصالح مع الذات، أستطيع أن أقول:

لقد رسبتُ في أشياء كثيرة، نعم، لكنني نجحتُ في ألّا أتحوّل إلى شخص لا أعرفه.

وهذه، في رأيي، شهادة تستحقّ أن نحتفظ بها في مكان آمن، إلى جوار صور الطفولة والرسائل القديمة، وكلّ الأشياء التي لم نعرف قيمتها إلا بعد أن مضى وقتها.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com