ما غرّك بربك الكريم؟
أميمة عبدالعزيز زاهد
أحيانًا نتوقف أمام آية قرآنية قرأناها وسمعناها مئات المرات، ولكننا في لحظة تأمل نشعر وكأننا نسمعها لأول مرة، وكأنها تخاطب شيئًا في أعماقنا لم ننتبه إليه من قبل.
ومن هذه الآيات قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾.
سؤال يحمل من العتاب ما يجعل الإنسان يراجع نفسه، ويتساءل: هل يمكن أن نغتر بكرم الله ونحن نحبه ونؤمن به ونسعى إلى مرضاته؟
قد يتبادر إلى أذهاننا أن الغرور المقصود هو غرور الإنسان الذي يتمادى في المعاصي، ويعتمد على رحمة الله ومغفرته فقط ، ولكن هناك جانبًا آخر يستحق أن نتأمله، وهو شعور قد يتسلل إلى نفوسنا ونحن نفعل الخير.
فقد نحرص على الصلاة، ونتصدق، ونساعد المحتاج، ونقف بجانب من يحتاج إلينا، ونفعل ذلك كله بعيدًا عن أعين الناس، لا نطلب شكرًا ولا ننتظر مقابلًا، وإنما نرجو رضا الله وثوابه.
وهذا في ذاته أمر جميل، ولكن ماذا لو بدأنا،
دون أن نشعر، نطمئن إلى كثرة أعمالنا الصالحة، ونعتقد أننا بما قدمناه أصبحنا نستحق من الله جزاءً معينًا، أو أن لنا عنده منزلة مضمونة؟
هنا ينبغي أن نتوقف قليلًا.
فليس الخطأ أن نفرح بما وفقنا الله إليه من خير، ولا أن نرجو رحمته وثوابه، وإنما أن ننسى أن قدرتنا على فعل الخير كانت أصلًا بتوفيقه، وأن قبول العمل أمر لا نملكه ولا نستطيع الجزم به.
وقد يكون الإنسان صادقًا في نيته، مخلصًا في عطائه، لا يعرف أحد شيئًا عن أعماله، ومع ذلك يحتاج إلى مراجعة ذلك الشعور الخفي في داخله؛ لأن العُجب بالنفس لا يحتاج دائمًا إلى جمهور، وقد ينشأ في القلب دون كلمة واحدة.
ولعل أجمل ما يذكرنا بهذا المعنى قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾.
فهم يقدمون الخير، ومع ذلك لا يغترون بأعمالهم، بل يرجون قبولها، ويستشعرون حاجتهم إلى رحمة الله.
وقد قال رسول الله ﷺ: «لن يُدخل أحدًا عملُه الجنة»، فقالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله بفضل ورحمة».
وهنا ندرك أن العمل الصالح طريق نرجو به رضا الله، لكنه ليس شهادة نمنحها لأنفسنا بأننا بلغنا منزلة معينة عنده.
وليس المطلوب أن نعيش خائفين من عدم قبول أعمالنا، أو أن نقلل من قيمة ما نقدمه من خير، بل أن نجمع بين الرجاء والتواضع، وبين حسن الظن بالله وعدم الاغترار بالنفس.
فما أجمل أن نفعل الخير ونفرح به، ثم نقول من أعماق قلوبنا: اللهم تقبل منا، فما فعلناه إلا بتوفيقك، وما نرجوه من فضلك أعظم مما قدمناه.
فالتواضع أن ننسب الفضل إلى الله، والرجاء أن نثق برحمته، وحسن الظن أن نوقن بأن فضله أوسع من أعمالنا.
اللهم تقبل أعمالنا، ولا تجعلنا نغتر بها، واملأ قلوبنا تواضعًا لفضلك، ورجاءً في رحمتك، وحسن ظن بك.



