ثقافة وفن

قراءة في رواية الزنجية للروائية عائشة بنور

بقلم: أ. زينب فرحي جامعة البليدة 2 – الجزائر

– قد يبدأ العنف من الكلمة قبل الفعل، من اللفظة التي تحدد للإنسان تعريفا لم يختره و من نظرة تختزل وجوده في لون بشرته ومن عادات توارثها الجماعة حتى غدت قانونا لا يقبل المساءلة..

هذا الأفق هو الشعلة التي أضاءت من خلالها الكاتبة عائشة بنور معاناة الذات الأنثوية الأفريقية في روايتها “الزنجية”، حيث اتخذت من السرد التخييلي توثيقا لمعاناة امرأة سوداء يتركز على تفكيك البنية الثقافية التي جعلت من الاختلاف الجسدي مبررا للإقصاء الوجودي ومن الأنوثة فضاء مفتوحا لممارسة السلطة الأبوية قبل الاستعمارية، ومن الطقوس الثقافية أدوات خفية لإعادة إنتاج الهيمنة.

لقد اتخذت الكاتبة من اللون دورا فاعليا متجاوزا للبعد البيولوجي والظهور الشكلي والمادي للشخصية السردية إلى وظيفة دلالية ذات بعد ثقافي، فبلانكا لم تدخل العالم بوصفها فردا يحمل اسما وهوية ورغبات وإنما بوصفها “زنجية” ومنذ تلك اللحظة تراجع اسمها لصالح التصنيف، وتوارت ذاتها خلف علامة تفرضها سلطة العرف الاجتماعي، حيث تحول اللون إلى خطاب اجتماعي يحدد موقع الذات داخل شبكة العلاقات الإنسانية المعقدة دون أن يكون لها الحق في أن تنطق بكلمة واحدة أو تمارس أي فعل.

هذا ولم تتوقف الرواية عند الكشف عن آليات التصنيف العرقي ضمن سلم الاختلاف، وإنما حتى داخل نطاق المؤتلف، فالمجتمع لا يكتفي بتسمية الآخر، وإنما يسعى إلى تشكيل وعيه بنفسه، وهو ما تفعله القبيلة مع بلانكا بوصفها فتاة، فحين يتكرر الإقصاء وتُعاد الصورة النمطية في كل موقف، تبدأ المرأة في رؤية ذاتها من خلال الأحكام التي تصدرها الجماعة. فلا يقتصر الأمر على اللون كسمة خارجية مجردة بل وحتى الجندر، أين يتحول الأمران إلى عبء نفسي يرافق الذات ويؤثر في إدراكها لذاتها أينما حلت فتغدو معركة الاعتراف بالإنسانية أصعب من مواجهة الفقر أو الغربة أو مشقة الطريق.

لقد استطاعت عائشة بنور أن تجعل من الجسد الأنثوي أول فضاء تمارس عليه السلطة حضورها، فالجسد في الزنجية تحول من ملك للشخصية إلى فضاء تتقاطع فيه سلطة العائلة بسلطة الجماعة، وسلطة العرف، بسلطة العنف حيث تظهر الطقوس الممارسة على جسد بلانكا ومثيلاتها من فتيات القبيلة وكأنها اعلان متكرر بأن المرأة مطالبة دائما بالتكيف مع قالب شكله مجتمعها لها مسبقا، قالب محدد وفق أفكار ومعتقدات اسلاف رحلوا. فيصبح الختان والزواج المفروض والطاعة قيما اجتماعية مترابطة ضمن حلقات في منظومة واحدة تهدف إلى إنتاج جسد منضبط وهوية قابلة للامتثال، فالعنف لم يمارس بقوة مباشرة بيد أنه تخفى في هيئة عرف اجتماعي ظاهره لحماية المرأة بوصفها كائن ضعيف ولاعقلاني وكخطاب ملتزم بالمحافظة على التقاليد، حيث تحول العنف إلى ممارسة يومية راسخة واصبح جزء من النظام الاجتماعي نفسه. وبذلك نجحت الرواية في إظهار أن أخطر ما في الطقوس الثقافية ليس استمرارها عبر الزمن بل قدرتها على اقناع المفعول به بأنها تمثل النظام الطبيعي للحياة.

لم تقف معاناة بلانكا عند حدود المكان الأول، إذ تمضي الرواية في تفكيك وهم الهجرة بوصفها طريقا للنجاة والخلاص، فالانتقال إلى فضاء جديد لم يحرر بلانكا وفريكو من المعاناة بل كشف لهما أن هناك أشكال أخرى للعنف قادرة على تبديل وجوهها دون أن تغير جوهرها حيث قد تتبدل اللغة ويتطور المكان وتتغير الجغرافيا بعيد أن الجسد المختلف يظل جوهرا لذات النظرة وكأنهما لايحملان معهما في هجرتهما للخلاص مجرد حزمة ملابس، بل تاريخ طويل من الأحكام المسبقة على هويتهماوالتي تسبق حضورها أينما ذهبت.

لم تستسلم الرواية لمنطق الضحية، بل عملت الكاتبة عبر السرد في مستوياته العميقة على استعادة انسانية الشخصية، فبلانكا رغم ماتعرضت له من قهر لم تُختزل في صورة المرأة المكسورة، وإنما قدمت بوصفها ذاتا واعية تحاول أن تعيد تعريف نفسها خارج تلك القوالب الجاهزة التي حددت لها من قبل الأسلاف وجعلت من الكتابة فعلا للمقاومة اذ منحت الشخصية مساحة واسعة للكلام وصوتا سرديا حرا بعد أن حاولت البنى الاجتماعية أن تجعلها مجرد موضوع للسلطة والأحكام، فاستعادة الصوت في الرواية جاء بمثابة عملية استعادة للوجود، فالذات تتحرر من العنف المتعدد الممارس عليها حين تمتلك القدرة على رواية حكايتها بصوتها دون مصادرة حقها في السرد.

وقد برزت القدرة التفكيكية للكاتبة من خلال تجنب تلك الخطابة المباشرة، إذ أنها لم تقدم خطابا عاما ايديولوجيا ضد العنصرية أو خطابا أنثويا ضد السلطة الذكورية بل فككت الوقائع اليومية والحوارات، والتفاصيل الصغيرة، لتجعل القارئ يستكشف من خلال عملية القراءة تلك البنية العميقة للهيمنة ويتحول هنا السرد إلى ممارسة نقدية عبر تعرية الآليات التي تنتج الظلم وتمنحه شرعنة اجتماعية.

إن الزنجية تمثل نموذجا سرديا للثقافة حين تفقد بعدها الإنساني حيث جعل النص من من الاختلاف تهمة، ومن الجسد الانثوي فضاء للسلطة، ومن اللون هوية مغلقة لا تستطيع الذات التحرر منها، ولهذا فإن النص قد تجاوز حدوده المحلية ليطرح اشكالا انسانيا واسعا : كيف يمكن للفرد أن يحقق حريته إذا كان الآخر قد سبقه إلى تعريفه؟

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com