أبريل .. الذي في خاطري

محمد جبران
هذا المقال ليس “معارضة” لأغنية السيدة أم كلثوم “مصر .. التي في خاطري”، إنما فيه شيء من “المقاربة” والحنين إلى الأيام الخوالي..
على كل حال، شهر أبريل هو شهر نزول الأمطار المعتادة سنويا على سلسلة جبال سراة الباحة التي تسكنها غابات العتم والعصافير والقرى الصغيرة المتناثرة على سفوحها من آلاف السنين..
ومنذ رحيل أجسادنا عن تلك الديار كان كلما مر ذلك الوقت من كل عام عادت بنا الذاكرة إلى زمان الصبا وصوت الرعد الصاخب وبعثرت قطرات المطر على الأسطح الترابية والنوافذ الخشبية المهترئة. وفي أواخر رمضان الماضي التي وافقت شهر أبريل أخذتني أفكاري على محمل الجد، وقررت الذهاب بي إلى هناك، إلى منابت المطر، لعل زخاته الباردة تلامس مفاصل أصابعي وتجدد معها وبها العهد..
وصلت في ساعة متأخرة من ليلة الثالث والعشرين، لم أشعر بالتعب جراء السفر، لكني لم أستطع النوم جيدا في اليوم التالي، ففي حوالي الساعة العاشرة صباحا أيقظني نقر العصافير على نافذة غرفتي، كانت أول من حمل إليّ بشارة قدوم المطر، لم تدم خربشاتها طويلا، نهضت على مهل مستقصيا سبب صمتها المفاجيء، وأنا أطل من ردهة الشرفة رأيت من بعيد، من جهة الغرب، عواصف المطر قادمة، كان دوي صوتها يقترب شيئا فشيئا،
ظلال الغيوم الكثيفة أخفت أضواء النهار تماماً، إنها أكثر اللحظات جمالا ودهشة.. ملأتني البهجة وأنا أتأمل منظر القطرات الأولى وهي تهوي من أبراجها العالية لتخوض مغامرتها الجديدة في السقوط الحر -قصتها الرائعة التي لا تنتهي- وما أن تصل الأرض حتى تجتاز الممرات والأخاديد التي شكّلها الأولون إلى أن تبلغ وجهتها النهائية في أعماق التربة..
ظلت السماء تمطر بقية النهار إلى أن حل على المكان المساء، وهنا توقف المشهد في الخارج، لكن سحره لم يتوقف في داخلي، ولم تُغلق بعد ورقته الأخيرة.
إلى اللقاء،،،،،



