مقالات

أمجد و جنى .. في سماء العلوم النووية

6 / 100 نتيجة تحسين محركات البحث

عبدالله آل سالم القحطاني

alamhar@hotmail.com

في كل عام، يتكرر مشهد مهيب، مبهج، رائع، وأخّاذ، لا يغيب عن الذاكرة بسهولة، ويجعل القلوب تقفز من الفرح والفخر والحماس، لحظة يُعلن فيها اسم السعودية بين الفائزين في المحافل والمسابقات العلمية الدولية، فيشتعل التصفيق والهتاف في قاعات الاحتفال. وسط نظرات الدهشة والانبهار والإعجاب من الحضور لتعدد الجوائز والسعوديين الحاصلين عليها، ويتحول الهدوء الذي يسبق الإعلان إلى عاصفة من الفرح، وينطلق الطلاب والطالبات أبناء وبنات السعودية يركضون نحو منصة التتويج لاستلام جوائزهم وميدالياتهم، والعباءات ترفرف في الهواء، والابتسامات تختلط بالدموع، وكأنهم أبطال أسطوريون خرجوا لتوهم من معركة طويلة وانتصروا فيها. لا يحملون السيوف، وإنما يحملون أبحاثهم وأفكارهم وتجاربهم العلمية، ولا يرفعون رايات المعارك، وإنما يرفعون اسم وطنهم بين أوائل العالم، في مشهد يطرب القلوب، ويثلج الصدور.

ومع تكرار هذا المشهد عامًا بعد عام، لم تعد الميداليات الذهبية التي يحصدها أبناء وبنات السعودية مجرد أخبار جميلة نتناقلها، بل أصبحت ظاهرة تستحق أن نتوقف عندها ونسأل: ما الذي يحدث خلف هذه المنصات؟ وكيف استطاعت المملكة أن تبني جيلًا من الموهوبين القادرين على المنافسة في أصعب المسابقات العلمية العالمية؟

وفي أولمبياد العلوم النووية الدولي 2026، الذي استضافته جدة، كان لهذا المشهد أبطال سعوديون جدد، يتقدمهم أمجد محمود عيسى آل درويش وجنى صالح عبدالله السبيل.

لم يكن أمجد وجنى مجرد فائزين بين عشرات المتنافسين؛ فقد كان أمجد صاحب أعلى إنجاز سعودي في الأولمبياد، عندما حقق المركز الأول عالميًا والميدالية الذهبية، وحصل كذلك على لقب سفير العلوم النووية، أما جنى فحصدت الميدالية الذهبية، واختيرت أفضل طالبة في الأولمبياد. وبينما كان الذهب يلمع على صدريهما، كان اسم السعودية يلمع معه في واحدة من أكثر ساحات العلم تخصصًا ودقة.

وشارك في الأولمبياد 120 طالبًا ومختصًا يمثلون 19 دولة، وخاض المشاركون اختبارات نظرية وعملية امتد كل منهما خمس ساعات، واختبرت قدراتهم في التحليل العلمي، وإجراء التجارب، وتفسير النتائج، وحل المسائل المتقدمة في العلوم النووية.

ولم يكتمل المشهد السعودي بأمجد وجنى وحدهما؛ فقد حصل عبدالعزيز عبدالمحسن الشريط على الميدالية الفضية، ونال صالح مبارك ضيف الله الحربي الميدالية البرونزية، لتتصدر المملكة نتائج الأولمبياد بأربع جوائز، في إنجاز يؤكد أن ما حدث لم يكن لحظة فردية، وإنما ثمرة إعداد واستعداد ومنظومة متكاملة.

ربما لا نعرف أن خلف كل ميدالية حكاية طويلة لا يراها الجمهور في لحظة التتويج؛ ساعات من الدراسة والتجارب، وأيام من التدريب، وفكرة صغيرة تتحول إلى مشروع، ومشروع يخضع للنقد والتطوير، وطالب أو طالبة يتعلم كيف يدافع عن فكرته أمام العلماء والمحكمين. وخلف ذلك كله منظومة وطنية تبحث عن الموهبة منذ سنوات الدراسة الأولى، ثم تمنحها ما تحتاج إليه حتى تكبر.

وتأتي مؤسسة موهبة، بالتعاون مع وزارة التعليم والجامعات والجهات العلمية المتخصصة، في قلب هذه المنظومة. تبدأ الرحلة باكتشاف الموهوبين، ثم الإثراء العلمي والمسابقات المحلية، وصولًا إلى المعسكرات والتدريب المتخصص والمنتخبات التي تمثل المملكة في الأولمبيادات الدولية.

ومن أبرز هذه البرامج الأولمبياد الوطني للإبداع العلمي (إبداع)، الذي يمنح الطلاب والطالبات فرصة لتحويل أفكارهم إلى مشاريع وأبحاث حقيقية، ثم المرور بمراحل التحكيم والتطوير والتأهيل. وهناك كذلك برامج الأولمبيادات الدولية في الرياضيات والفيزياء والكيمياء والأحياء وعلوم الحاسب والعلوم النووية، إضافة إلى (كانجارو موهبة) و(بيبراس موهبة) و(نسمو)، التي توسع قاعدة المشاركة وتدرب الطلاب على التفكير العلمي والمنطقي منذ سن مبكرة.

واللافت أن الدعم لا يتوقف عند اكتشاف الطالب أو اختياره. فالموهوب الذي يصل إلى المراحل المتقدمة يجد برامج تدريبية مكثفة، ومدربين ومتخصصين، وفرصًا للتطوير والمراجعة، حتى يصبح قادرًا على منافسة طلاب من مختلف دول العالم. وهنا يكمن أحد أسرار النجاح السعودي: الموهبة وحدها لا تكفي؛ فالإنجاز يحتاج إلى منظومة تكتشفها وترعاها وتمنحها الأدوات التي تحولها إلى تفوق.

وهذه المنظومة لم تنتج إنجازًا عابرًا في العلوم النووية وحدها. فمنذ المشاركة السعودية الأولى في معرض آيسف ISEF عام 2007، بدأت المملكة رحلة تصاعدية في أكبر مسابقات العلوم والهندسة للطلاب في العالم. وتكررت أسماء الطلبة والطالبات السعوديين على منصات التتويج، ومن بينهم دانة العيثان التي حققت جائزة كبرى في الكيمياء في آيسف 2022.

وفي آيسف 2026، حصد المنتخب السعودي 24 جائزة دولية، بينها 12 جائزة كبرى، وحقق الطالب محمد ناصر الأسمري المركز الأول عالميًا في علم الأحياء الحسابي والمعلوماتية، في منافسة شارك فيها أكثر من 1700 طالب وطالبة من نحو 70 دولة. وبذلك ارتفع رصيد المملكة في آيسف إلى 209 جوائز، بينها 136 جائزة كبرى و73 جائزة خاصة.

لكن الأرقام لا تروي القصة كاملة. فكل رقم خلفه طالب جلس ساعات طويلة أمام كتاب أو تجربة، ومعلم آمن بقدراته، وأسرة شجعته، ومدرب ساعده على تطوير فكرته، ومنظومة وفرت له فرصة الوصول إلى العالم.

ولهذا فإن أمجد وجنى ليسا مجرد اسمين جديدين في قائمة الفائزين. إنهما صورتان لجيل سعودي يتقدم بثقة نحو مجالات العلم التي ستشكل مستقبل العالم؛ جيل لا يريد أن يكتفي بتلقي المعرفة، وإنما يسعى إلى إنتاجها والمنافسة بها.

وربما أجمل ما في حكايتهما أن الميدالية ليست نهاية الطريق. فأمجد الذي وقف اليوم على منصة التتويج قد يحمل غدًا بحثًا جديدًا إلى مختبر أو جامعة، وجنى التي عادت بلقب أفضل طالبة قد تصبح يومًا عالمة تفتح الطريق لطالبات أخريات.

وعندما يُنادى اسم السعودية في قاعة من قاعات العلم، وتتعالى صيحات الفرح، وينطلق أبناؤها وبناتها نحو المنصة، لن تكون تلك الميداليات مجرد لحظة عابرة في مسيرتهم. ستكون علامة على أن جيلًا جديدًا قد بدأ يكتب قصته بنفسه؛ بالعلم، والشغف، والعمل، والطموح.

وربما بعد سنوات، حين نرى أمجد وجنى وغيرهما وقد أصبحوا علماء وباحثين ومبتكرين، سنعود بذاكرتنا إلى تلك اللحظة الصغيرة في جدة، حين لمع الذهب حول أعناقهما، وندرك أن ذلك الضوء لم يكن ضوء ميداليتين فقط، بل كان أول بريق لمستقبل علمي سعودي أكثر إشراقًا.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com