حسبي عليك الله يا ناشع شعوبه
من أهم المعالم الطبيعية التي زرتها في منطقة الباحة هذا العام مشتل اللوز البلدي في قرية الحكمان لصاحبه يحي بن خالد بن زنان يضم ما يقارب ثمانية الأف شجرة لوزما بين مزروعة ومشتوله في حاضناتها ، وقد سررت بما رأيت بعد أن أخذني في جولة على المشتل والأرض التي كد وتعب فيها هذا الرجل ، كنا نسير بين شجر اللوز بعد أن ارتداء حلته الخضراء الجميلة في الأرض المليئة بغصونه الغضة الناشئة والمعبقة بروائح أزهاره ، كنت اسير وكيف لا اكون بين هذا الجمال الخلاب البديع الساحر الذي ما زال في بدايته والذي ان تخيلته بعد أن يشتد عوده وتقوى غصونه تنتشئ روحك ويسلبك همومك وأحزانك هذا المشروع الفريد من نوعه ، أقامه هذا الرجل بجهود فرديه لم يتلقى أي دعم من أي جهة بل أنه يوزع الشتلات بدون مقابل حرصا منه على إنشار زراعة هذه الشجرة واحيائها من جديد بعد أن قلت زراعتها وأوشكت على الانقراض وذلك لعدد من الاسباب من أهمها إعراض المزارعين عن زراعتها والجفاف وقلة الامطار التي اجتاحت المنطقة والزراعة أمر محمود ومستحب ومنتدب إليه وقد حث الإسلام على ذلك ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا يغرس مسلم غرساً ولا يزرعاً زرعاً فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقه “
كانت أشجار اللوز في الماضي منتشرة بكثره، يزرع في أطراف المزارع وحول الدور والأودية والشعاب والجُنب (المدرجات الزراعية) وتعتبر أشجار اللوز من الأشجار المعمرة القوية التي يتلاءم نموها مع البيئة والظروف المحلية والمناخية فهي تقاوم قلة المياه تُسقى لمدة عام أو عامين حتى تكبر ثم تترك معتمده على مياه الأمطار، ويتضرر اللوز ببعض الأمراض الفطرية والبكتيرية” الصمغ “والآفات الزراعية والأشجار المتطفلة “اللصاق، الهدل ” ويتضرر ايضاً بكثرة الأمطار والرياح البارة القرة والبرد، وهم يقولون في الأمثال
” إن أمطرت حنطة وإن أصحت لُباب “
وتسمى ثمرته في بديتها الغضاريف أو القضاريم وتوكل غضه كاملة ويسمى محصوله اللباب ويوجد في الغضروف بذرة لبابة أو ثنتين وعند استواءهم يجنى باليد او يهلونه وذلك بضربة بعصى خفيفة تسمى الزروق ويحصل بفك الغضروف بأداة أو حجر وتسمى هذه الطريقة الفقاق وكان لها مهتمون ممن يفق للناس بمقابل مادي ويوجد منه لوز لبابه مر يستخدم للعلاج واللوز بوجه عام يعتبر من أفضل وألذ المنتجات وله فو ائد صحية كثيرة، ولباب اللوز من أغلى الهدايا ومن أفضل ما يقرى به الضيف وخاصة عند المشاهير
يقول الشاعر:
قدام كنا نضيف بشور النحل وحدور ضأني
واليوم حتى المصاقير مات الزرع واللوز منها
كانت شجرة اللوز في الماضي من أهم الأشجار التي تشتهر بها المنطقة عامة وبعض الأماكن خاصة كمحافظة القرى وقرية المصاقير والثراوين والحكمان ووادي الصدر، وتعتبر قرية جافان من أشهر القرى وعائلة آل قرهم أشهر من يزرع اللوز يقول الشاعر جريبيع في ذلك :
يا لوز يلى دنا بالغصون وصمك البوب
عند ابن قرهم صد في وادي الصدر صد
كانت أشجار اللوز منتشرة بكثرة إلا أنها في السنوات الأخيرة أهملت وتعرضت للجفاف حتى أضحت جذوع تلك الاشجار ترى ميته وهي واقفه تشهد على حقبة تاريخية لحضارة زراعية كانت ثم بادت ، وأذكر في مطلع التسعينيات الهجر عندما كنا نمر على هذه القرى أؤخر فصل الشتاء كان يبهرنا جمال تلك الأشجار عندما تكتسي بتلك الحُلة من الورود البيضاء المتفتحة تسر الناظرين وكأنها لألئ منثورة على أغصان تلك الاشجار، وكان محصوله وافر وتجارته رائجة في أسوق المنطقة وخاصة ربوع قريش وكان محصوله من أهم الموارد الاقتصادية ينتج بكميات كبيره ويصدر إلى خارج المنطقة وخاصة مكة والمدينة وقد أشار إلى ذلك عدد من الرحالة أمثال ابن جبير وابن بطوطة
نتمنى ويحدو بنا الأمل أن تشهد الأيام القادمة عوده لزراعة شجرة اللوز والاهتمام بها من قبل الأهالي والمزارعين وايضاً الجهات الحكومية كـ الزراعة والبلدية والسياحة وأن نرى له في القريب العاجل مهرجان موسمي كمهرجان الرمان حتى يشكل دخل ويكون رافدا اقتصاديا وسياحياً في منطقة الباحة، ونتمنى أن يدعم مثل هذا المشروع من الجهات ذات العلاقة ببعض الأدوات والمعدات الزراعية التي تعينه على ذلك ، وأن يخصص للوز البلدي منشط ضمن فعاليات مهرجان الأطاولة خاصه وأنه إستحدث هذا العام الوادي التراثي وذلك من اجل تعزيز الرابط البيئي بين الأجيال المشاركة فهو داخل نطاق المهرجان لا يبعد أكثر من ثلاث كيلو مترات وأن يكرم صاحبه يحيي بن زنان ويضاف اسمه إلى قائمة الزراع المشهورين بزراعة اللوز مثل ابن قرهم وابن شلحان وغيرهم
لقد احترت وأنا أكتب عن شجرة اللوز التي تنتمى لفصيلة الورديات كيف أجد لها وصفاً ؟ أأكتب عن لذة طعمها أو جمال أغصانها وأزهارها وثمارها التي كأنها تنادينا وتعزف لنا على بياضها وتقول أعيدوني وخذو من جمالي وبهائي وخذ من أملي وتفالي حتى تضحك العيون ويتراقص القلب وتبتهج النفس وقد سبق وتغنى بجمال اللوز الكثير من الشعراء وعلى رأسهم الشاعر محمود درويش في هذه القصيدة التي اقتبسها منه الشاعر عبد الرحمن العشماوي
هزي جذوعك ياغصون اللوز…
في وطني الحبيب
فـ لربما صار البعيد لنا قريب
ولربما غنت عصافير الصفاء
وغرد القمري ..وابتسم الكئيب
هزي غصونك
ياغصون اللوز الاخضر
وانثري في الأرض لوزك ياجذوع
ودعي النسيم يثير أشجان الفروع
ودعي شموخك ياجذوع اللوز
يهزأ ُ بالخضوع
كما وتغنى باللوز عدد من الشعراء الشعبين في منطقة الباحة منهم الشاعر جارالله الزهراني يقول:
يالوز جافانا لاخضر كنت ضامي وشرواك
ما يشرب الا من الماي الزلالي ولع به
الله يسقى بلاد يطلع اللوز منها
مجار ما حد تمنى من غروسه جناية
والقصر قيس المزارع يمن اللي بداله
وايضاً الشاعر عبد الله الزرقوي :
قال المغني شقتني يالوز مخبي
خصوص لا صاحبه وانا مخيل واقفى
حسبي عليك الله يا ناشع شعوبه
بقلم / عبدالحي إبراهيم الغبيشي



