مقالات

من أخبار القرى الأثرية

عبدالحي الغبيشي

يكتب لكم : عبدالحي الغبيشي

تعتبر نشأة القرى نتيجة حتمية للعمران البشري والقرية هي مكان اجتماع الناس وكان للقرى قديماً وخاصة في العصور الوسطى ملمحاً وقيماً اجتماعية وتاريخية وانسانية وسياسية وروابط  اجتماعية لا مثيل لها ، وبعض هذه القرى يحتوي بعداً تاريخيا وتراثاً أثريا ذو ملامح فنية وثقافية ينبغي أن تمد له يد الرعاية والاهتمام بالتهيئة اللازمة  لكي تكون واجهة  جاذبة سياحيا ولن يكلف ذلك من المشاق الكثير لأن تلك القرى وآثارها لديها من المقومات والامكانات ما يؤهلها لذلك من مناظر خلابة وأودية وجبال ذات ارتفاعات مختلفة تصلح للعديد من السباقات و الرياضات كتسلق الجبال ، فهي بيئة ثرية للسياحة الثقافية والترفيهية والموضوع الذي نحن بصدده يتمحور حول أربع قري هي قرى: (السيف – الحدب – بن هوبان – بالبرش) يتركز حديثنا حولها لأهميتها وأهم الشخصيات التي عاشت فيها، وقد خرجت وانتشرت من كل قرية حكاية وفي كل حكاية كنز من المعلومات. وأعتبرها من القرى التى تحمل عبقاً تاريخيا لا يمكن الاستغناء عما أردفته لنا من مآثر تاريخية وثقافيا واجتماعية أثيرت حكاياتها وأخبارها وتناقلها العامة وخاصة من أبناء المنطقة  جيلاً خلف جيل ، وتنوعت الا قاصيص حول هذه القرى لتتناول وباءً أو ثاراً أو حادثة أو اغارة لسبب ما ولطبيعة الحكي و القص كانت تجلب نوعا من الزيادة في السرد أو إضافة جديد على القصة  فتسمع القصة الواحدة كقصة بن هوبان  وبلبرش بطرائق مختلفة ، ومن خصائص  تلك القرى سابقة الذكر أنها متقاربة و تقع جميعها على روافد وادي تربة   فتقع  كل قريتين  في ناحية متقاربة  فقرية السيف الكبيرة يقابلها  قرية أو دار بلبرش  وهي في محيط قرية أريمة وحديد متقابلة لا يفصلها عن بعضها إلا وادٍ ، وأيضا قرية الحدب الكبيرة  وقرية بن هوبان الصغيرة  تقع في محيط قرية الطرف ورسباء لا يفصل بينها إلا وادي وقرية رسباء  ومما دفعني  لتجديد  الكتابة عنها  كثرة تناول الناس لأخبارها وحكاياتها وقد وقفت على أطلالها  خلال الاجازة الصيفية يصاحبني الباحث محمد العسعوس ومما استخلصته منها  وجود تقارب مكاني وزماني  وتشابه  في الطراز المعماري الذي يأخذ شكلاً واحداً وخاصة مباني  قريتى الحدب والسيف ففي كلاً منهما حصنين ودارين ووقوعهما في أماكن وعرة يصعب الوصول إليها بالرغم من وجود حصون المراقبة بهما وذلك ما هو إلا دلاله على غياب الأمن أو ضعفه ، ومما تبقى من أثارها وأطلالها يشير إلى انها مرت  بمرحليتي بناء متفاوتة ، منذ القرن السابع الهجري ويظهر ذلك لنا من قدم البناء و تآكل اساساتها وخاصة الحجارة السفلية وهشاشة الأجزاء الملامسة للأرض في بعضها بأسباب عوامل التعرية ، وتنحصر طريقة البناء على دور و حصن أو اثنين و بيوتها متشابكة مع الحصون  وذلك على شاكلة البناء في العصور الوسطي تقريباً ، تتكون من حصن أواثنين يتكون الواحد منها من عدد من الأدوار تتراوح بين أربعة إلى ستة طوابق مقسومة من  المنتصف بمدماك من الحجر توضع عليه الأخشاب يقسمها إلى وحدتين متساويتين من المنتصف يربط  بينها درج داخلي، وفي كل  منتصف دور نافذه للضياء والمراقبة وأما البيوت فهي عبارة عن وحدات صغيرة مشتبكة من عين أو اثنتين وقد يكون إحداها منحوت كسافل’ يعلوها طابق آخر مساويا للأرض يخرج على فناء ذو أحجام مختلفة  بعضها لها مداميك  توضع عليها الأخشاب من المنتصف وتقسسم إلى وحدتين  ذات أبواب صغيرة ونوافذا قليلة وضيقة باتجاه الشرق وأبوابها باتجاه المزارع  ، وحول الموقع الجغرافي للقرى الأربع نتناولها قريتين قريتين قرية السيف  تقابلها وبلبرش ، تقعا في محيط أريمة وحديد   فتقع قرية السيف  على جبل حاد يشبه السيف في حدته وتقوسه  يسمى فيما أظن  “المحرق “يمتد من الشمال إلى الجنوب ، تشرف على وادي الحبارى من الغرب وعلى وادي الصدر وقرية أريمة وحديد من الشرق والجنوب على وادي فيق وعدة أحميات من الشمال وتتكون من دارين : شماليه وجنوبية وكل دار فيها حصن وعدد من الحجرات  ، وكانت تسكنها إحدى قرى قبيلة بالطفيل والتي كانت هدفاً لغارات بلبرش وأعوانه.

 وأما قرية بالبرش فهي قرية صغيره تقابل السيف من الجهة الجنوبية الغربية تتكون من حصن وعدد من الدور تقع على ظهر جبل محاذي لوادي المنجدة شمال وادي الصدر وجنوب أريمة وحديد تشرف من الشرق على شعب الصيد ومن الغرب مسيل الوادي وجبل فران وكان يسكن تلك القرية بلبرش الذي كان بدوره حاكماً على قبائل بني يوس في القرن السابع الهجري ، له شأن عظيم عرف عنه القوة والبطش والجبروت وكثرة الاغارة على القرى والقبائل المجاورة وله قصص كثيرة أوردنا بعضها في كتاب تحفة البيان ، وينسب إلى بطن بني  سخبرة أحد بطون الأوس بن عامر وكانت تقع  قراهم  في تلك النواحي ؛ متداخلة من العيص وحتى اريمة وحديد دخل بعض بطونها في بني كنانة والبعض الآخر في قبيلة بلخزمر وما زال أهل أريمة  وحديد في هذه الأماكن، وتعرف حديد بحديد الصخبرية وكانت شياخة بلخزمر إلى عهد قريب في هذا الفخذ.

ومن قصص الحرب التي مازال يتناولها الناس بين قريتى السيف وبلبرش  قصة  شدي بلبرش الذي كان  كثير الاغارة  على قرية السيف و كلما فكر في غزوها انكشف سرهم وفشلت خطتهم ويجدون أهلها مستعدون لصد ذلك الهجوم وذلكبسبب النساء المتزوجات من قرية السيف برجال من قرية بلبرش خوفا على ذويهم من بطشه ، ثم توصل بلبربش إلى السر في ذلك فأدرك  انه بفعل تجسس النساء ونقلهن  الاخبار حيث كان يتم ذلك عبر حيلة ذكيه منهن متفق عليها بإيقاد النار بشعلة “شنعة”  فتعلم قرية السيف بان هناك أمر يدبر لها فيذهب أحد رجالهم فتخبره الخبر فيستعدون لهم ولكي يؤكد بلبرش لمعاونيه أن النساء هن وراء هذا الفشل ، وأردا ان يثبت  لمعاونيه سر هذا الفشل فاختلق حيلة  بان أوهم زوجته أنه حامل كما تحمل النساء واقترب موعد ولادته بان وضع حول بطنه بعض الاقمشة واللفائف ولطخ ساقيه ببعض دم الدجاج ليحبك  حيلته ثم طلب من زوجته أن تحضر له الماء من البير ولا تفشي سره لأحد حتى لايفتضح أمره وبالفعل ذهبت زوجته إلى البير فوجدت بعض النسوة عند البير يسقون وكانت على عجل وسألوها عن سر ذلك فأخبرتهن الخبر وأوصتهن بأن لا يفشين السر وعندما رجعن إلى أزاوجهن  كل واحدة أخبرت زوجها بالسر فتوجهوا إلى بلبرش لزيارته  ومعرفة الخبر و اجتمعوا عنده وكل واحد لا يدري عن الآخر فأدهشهم  عندما أخبرهم أن النساء هن السبب في نقل الاخبار التى تخص غارته ولم تسلم من ذلك حتى زوجته والتى كانوا يعتقدون أنها أفضل من يحفظ السر واتفقوا أن يجتمعوا بعيداً عن القرية في  جبل البراق ووضعوا لهم مكان أسموه المشور واتفقوا على معاودة الكر والفر حتى استطاعوا التغلب على أهل قرية السيف ومباغتتهم في يوم  قيل يوم جمعة وأبادهم وأجلى من بقى منهم عن تلك القرية وقيل لم يبق فيها إلا بعض النساء والاطفال وديك يؤذن مما أثار حفيظة بعض العجائز فأنشدت:

ياديك حصن السيف وش بك تؤذن

                     أحسبك مما جاء على أهلك تحزن

ومن هول ما حصل  من ذلك الحاكم الطاغية كان الناس إلى عهد قريب يقرؤون عليه الراتب يقول الشاعر في ذلك : 

والله لو كان ما حط في الناس العثائر …ما يكون في كل جمعه قروا الراتب عليه

 وأما عن قصة قرية الحدب  وقرية بن هوبان فتقع جنوب قرية  الحدب  جنوب  قرية الطرف وشمال غرب قرية رسباء تتميز مبانيها بالضخامة والحصون وكبر الدور وهي قرية عادية مثلها مثل أي قرية لا كما أثير حولها من أنها قلعة او ثكنة عسكرية وقد سبق لنا الكتابة عنها  واما عن سكانها  ،اختلفت الروايات بسبب غياب التوثيق حيث قيل أن سكانها من بقايا بلبرش وقيل من خارج المنطقة  كانوا  يعملون بالصناعة ولا علاقة لهم بأهل الطرف ورسباء   وذكر: انهم يعرفون بآل “غواية “و انهم  ماتوا بوباء يسمى “الحبرة” وبلغ من شدته أن صار مثلا ” لمن يدعو على أحد بالهلاك او الموت يقول عساكم “بحوقة آل غواية أو حوقة أهل حصن كامل”  وللعلم فان  قرية الحدب  كان بالقرب منها قرية حصن بن هوبان بحيث كانت لا يفصل بينهما إلا وادي وقرية رسباء من الجنوب الغربي  وبعض الأثار منها  حصن الملاحة وحصن جواد وغار عيسى بن هوبان ولا استطيع الجزم بوجود علاقات كانت تربط بينهما على الرغم من تقاربهما ووجود تشابه كبير بينها وبين  تلك القرية التى كان يسكنها بن هوبان وهو من قبيلة بلخزمر، رجل ثري  يملك الكثير من المزارع والعبيد والكنوز، له دار وحصن كبير وهي قريبة من قرية الحدب  تعلو وادي رسباء لا تزال آثارها وآثار الحريق فيها ما ثلة للعيان ، ووادي يعرف بوادي الشاعر نسبة إليه لأنه كان ينظم الشعر وذكر في بعض اشعاره أنه دفن الكثير من كنوزه في الارض ومن اشعاره  في ذلك قال : ولد بن هوبان سوى علماً يُجِمَل عليه.. دفنت الابيار. . و الف قدوم.. والف مسحاه.. والف مدا بالمجمد… ويحد قرية بن هوبان من الشمال وادي رسباء والسهمين ومن الجنوب حمى القمدة وجبل النوف مع العيص ومن الغرب جبل الحاوي ووادي غييلة ومن الشرق عروق غليل وحمى المشايعة ، “وا بن هوبان” واسمه عيسى بن هوبان وله قصة تاريخيه شهيرة انتقم فيها لولده وآلت أحداثها إلى هجرته من تلك المنازل إثر الانتقام و الحريق  في قصه شهيرة يعرفها العامة من أبناء زهران وأسبابها  أن ( عندما قام ولده بقتل حدأة  فوق أحد أسواق بني حسن عندما خطفت من يده اللحمة  وذلك  الفعل ينافي عقود السوق مما نشأ على إثر ذلك  خلاف انتهى بقتل ولد بن هوبان من قبيلة بلخزمر في حينها مما جعل والده يضمر الا نتقام لولده من الوفد المفوض بالصلح من تلك القبيلة المكون من مئة رجل عندما حضروا للتفاوض ادخلهم إلى  السطح العلوي من الحصن المحشو بالأعلاف  موهماً لهم بانشغاله بتجهيز الطعام من لحوم السانية التي ذبحها لهم، وعندما دخلوا جميعاً قام بأغلاق بوابة الحصن وأشعل النار أسفل الحصن  ولم يلبث أن اشتعلت النار والتهمت جميع من في الحصن  ولم  ينج  إلا واحدا منهم عندما سمع تلميحات ابنة ابن هوبان وهي تقوم بالدياس في الجرين المقابل للحصن وتحدو للثيران وتقول : حليل ثيران بني غنامي …من ذا النهار الحامي… وما عد وراء ذا اليوم يوم ثاني… ففهم المعنى المختبئ وراء الكلام فألقى بنفسه على الرفة” التبن” ونجا من موت محقق ونقل خبر القوم، أما ابن هوبان فلجأ إلى قرية الظفير من بلاد غامد واستجار بهم وخدمه في ذلك أن القوانين والأعراف خدمته في ذلك ومازالت أسرته في الظفير تعرف إلى الأن بأسرة الشاعر ويعتبرون من أعيان أهالي الظفير وإلى لقاءات أخرى حول أخبار القرى.

تعليق واحد

  1. مقالاتك جميله وممتعه بس عندي أستفسارات اتمنى يتسع صدرك لها
    ذكرت ان بالطفيل كانو يسكنون قرية السيف وبالطفيل من دوس ودوس ديرتها معروفه فهل بالطفيل من بني يوس وهم ناقله في دوس؟

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com