مقالات

صيف الباحة .. حكايات تروى

محمد جبران

للصيف في الباحة حكايات، وبعض حكاياته لانهاية لها. ولذلك لم أتوقف طويلا وأنا أضع أمامي خريطة جولاتي في المنطقة، وأبحث عن مساري بين خطوط السير المتقاطعة، والمسارات المتشابكة.

 التنوع والخيارات المتعددة، حاصرت حواسي من كل الجهات.. الأسواق الشعبية والمولات الحديثة، الفن والأدب، امتزاج المطر والغبار، رياح الخريف وبرد الشتاء، الشيلات والعرضة، فاكهة الكرز والتين الشوكي، اللهجة العامية في المحلات ولغة الفلاسفة في المسامرات.. كل الأشياء في الماضي والحاضر، القديم والجديد تشاركت في المكان والزمان، وتجاورت جنبا إلى جنب في سلام ووئام.

مشيت في الأودية وعلى الطرقات العتيقة، في وسط المزارع وحول الآثار وبين كتل البيوت الحجرية، بحثا عن زمن مفقود وبقايا أرواح ابتلعها التاريخ.

أحيانا انعزل عن الواقع وأتعمق في الماضي أكثر وأظل أسير داخل متاحف المنطقة المنتشرة في كل مكان، استمتع فيها بأخبار الأولين ومصائرهم، وأزيائهم، وأجيالهم التي مرت واندثرت وطواها الزمن، ولم يبق من آثارها سوى، السَحْب والمحَالة والدارجة والرحى والجنبية والمزرفل والزافر والثوب المكلّف…

أخرج من تيار الماضي، وأدلف الحاضر، وأشاهد خطوات التجديد في أناقة خطوط المطاعم والأسواق، في بهجة المهرجانات وأفكار الأمسيات، في حيوية المقاهي وأضواء الشوارع، وفي بساطة باعة أزهار الكادي حيث أذهب إليهم للشراء أو الفرجة وتبادل الحديث.

وتتوالى ساعات الصيف وملاذاته المنعشة للروح والبدن، عند الفجر ومع الغسق، أول الليل وآخره، وأنا في صحبة الأصدقاء أو مع الأسرة والأقارب أو وحيدا تحت ظلال أشجار الغابات.

أينما اتجهت، شمالا أو جنوبا، كان الثراء الجمالي مزدحم، والواقع العصري يتداخل مع التاريخ في انسجام، بما يشبه قطعة النسيج العتيقة المملوءة بالألوان الزاهية.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com