بيتنا القديم .. روحي التي عادت

محمد جبران
وأنا متجه إلى بيتنا القديم، حيث مسقط رأسي، بعد سنوات طويلة من فراق أجواء القرية الماطرة، كانت الشمس تسطع أحيانا وتغييب في أحايين كثيرة، خلف قطع السحب الكبيرة، التي تعبر على مهل فضاء سماء القرية الفسيح.
كان أمامي لوحة كبيرة لقلاع حربية موغلة في القدم، وكأني أراها لأول مرة، بتلك العظمة والكبرياء، وقد استعادت حصونها الدائرية مظهرها الدفاعي الجليل – بالطبع لم أع حضورها التاريخي من قبل – .
مشيت في طُرق القرية، لم اتفحصها طويلا، فقد حفظت دروبها منذ صغري، بل عبرت مباشرة من خلالها إلى ساحات كانت مشرعة دوما لكل القرويين والعابرين.
حاولت أثناء سيري إعادة قص الماضي لجدران البيوت المائلة، ظنا مني أن باستطاعتي مواساتها وجبر خاطرها، لكن تكاثف الغيوم السريع وهطول المطر بغزارة قطع لغة التواصل بيننا، وأربك في نفس الوقت أفكاري.
دخلت مسرعا منزلنا القديم، يا الله …..
كم كان كبيرا في نظري ومهيبا، كان يطل على منحدر ينتهي إلى وادي فسيح من جهة وضيق من جهات أخرى.
جلست بقرب برواز نافذته المحزونة، أراقب الوادي الذي كان في يوم من الأيام، بهيجا، ومليئا بالخضرة، وأشجار الرمان والعنب والمشمش، وبحركة الفلاحين الدائبة.
كانت كل حكايات الماضي التي تدور في خلدي هي قصة المكان، المكان الذي كان يسحرني بأجوائه الخلابة، وتفاصيل طقوس مجتمعه.
شعرت وأنا أطل بنظري إلى تلك الأودية وهي تسيل بعد العاصفة المطرية، أن جزءً من روحي عاد للتو.
أخذ الماضي يشتعل في نفسي، رأيتني طفلا ينتمي بإحساسه الصافي والعميق إلى الأرض، لم يبقَ شيئا جرى تقريبا في ذلك الزمان إلا وطاف بمخيلتي، وكأنه الزمن الوحيد في حياتي.
لم أهنأ بالمكوث طويلا مع أخيلتي، بعد أن تحول سقف البيت الخشبي إلى صنابير مياه تصب من كل الأنحاء.
أغلقتُ النوافذ وأبواب الذكريات، وودعت بيتنا القديم.



