القصيبي .. شموخ بدون حدود

بخيت طالع الزهراني
شرارة هذا المقال قدحت في “دماغي” وأنا أقرأ في تويتر، عدة مقولات متداولة للدكتور القصيبي، في الإنسانية، والحكمة، وفن الإدارة.
أبدأ وأقول: إن المرة الوحيدة التي التقيت فيها بالدكتور غازي القصيبي، وسررت بها، كانت في البحرين قبل سنوات، يومها كنا – الأستاذ أسامة السباعي رئيس تحرير مجلة (اقرأ) الأسبق وأنا – في زيارة إعلامية للبحرين، بدعوة من معالي الأستاذ الدكتور محمود بن محمد سفر مدير جامعة الخليج حينذاك، ووزير الحج فيما بعد ..
في آخر أيام زيارتنا استضافنا الدكتور القصيبي، على حفل غداء خاص ومحدود العدد، ولقد هالني في تلك الاستضافة عدة أمور، أولها تلك “الكاريزما” الطاغية لمستضيفنا، فقد بدا صاحب جسد فارع، وملامح بديعة، وحيوية لافتة، ثم أنه كان يغدق علينا أطيافا من ابتساماته العذبة التي لم تكن تفارق وجهه، وحديثه المفعم بالحميمية والدفء، مقرونا بتواضع جم عجيب، قل أن أراه في مسؤول ودبلوماسي ووزير وأديب.
وأتذكر أنني كنت في آخر صف من الجالسين يومها على مائدة الطعام، وإذ بمعاليه – في منتصف الحفلة – يتوجه نحوي وهو يحمل طبق طعامه، ثم جلس بجانبي، كأنه يعرفني من قبل، أو كأنني صديق له، ثم راح يسألني عن عدد من الزملاء في (اقرأ) ومن أولهم مؤسسها ورئيس تحريرها الأسبق، الدكتور عبدالله مناع .
أنا لم استوعب ما كان يجري بجانبي .. وهل حقيقة أن شخصية كبيرة كغازي القصيبي، يمكن أن يجلس عدة دقائق (يتباسط) مع صحفي صغير مثلي .. فلم تشأ روحه العظيمة وأخلاقه الكبيرة، أن يكتفي بنظرة مجاملة لي من بعيد.
لحظتها تذكرت مقولة الكاتب والأديب الروسي (مكسيم غوركي) .. والتي يقول فيها: (من العظماء مَن يشعر المرءُ في حضرتهم بأنه صغير .. ولكن العظيم بحقّ، هو الذي يشعر الجميع في حضرته بأنهم عظماء مثله) .. ولم يكن القصيبي – حقيقة – إلا عظيما حقيقيا بروحه المتواضعة، وخلقه الرفيع، وقدرته على أن يألف ويؤلف.
وهكذا هم المؤمنون الصادقون، قوم يألفون ويؤلفون، يأنس بعضهم ببعض، لا يشعر من يجالسهم بوحشة أو ضيق نفس، بل يرى فيهم انشراح الصدر، وبشاشة المحيّا .. وقد ورد أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآلة وسلم، قد قال: (المؤمن يألف ويؤلف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف) .
كتبت له ذات مرة عدداً من الأسئلة الصحفية، وكان محورها مسألة (السعودة) التي كانت همّاً من هموم معاليه وهو وزيرا للعمل، وكنت أظن أن مشاغل الوزارة ستشغله عن الرد، أو تأخير الرد .. لكن معاليه فاجأني بالرد على كل تساؤلاتي وبأسرع مما توقعت، والتي نشرتها في (البلاد) في حينها – عندما كنت ضمن أسرة تحريرها.
كان معاليه متوهجا فوق أي مقعد يسند إليه، كان يعلمنا كمجتمع من حوله كيف تكون المسؤولية، وكيف هي الشفافية والصدق والصراحة، لم يكن يخاف من مواجهة التقصير، ولا من الاعتراف بالقصور، ولازلنا نتذكر ما قاله ذلكم الرجل الاستثنائي عندما كان وزيرا للصناعة والكهرباء وبعد أن تكرر انقطاع الكهرباء عن جازان .. قال : (انقطاع الكهرباء في جازان أمر مخجل بكل المقاييس والمعايير … على جميع منسوبي الكهرباء أن يتذكروا أنه لا يوجد فيها من يتمتع بالحصانة) .
ولا زلنا نتذكر جولات القصيبي المفاجئة عندما كان وزيرا للصحة، تلك الجولات التي كان لها (شنة ورنة) .. وأظنه هو (مخترعها) كواحدة من فلسفاته الإدارية التي كاد يتفرد بها، من أجل أن يقف على الواقع بدون رتوش، وحتى يرى الميدان بصورته الحقيقية بدون “ماكياج”، وكم أثمرت تلك الجولات من خير، وكم كشفت من أخطاء تم علاجها، ولقد كان معاليه أيضا مخترع عبارة (حضرنا .. ولم نجدكم) عندما كان يضعها على منضدة مديري المستشفيات التي يزورها فجأة فلا يجد مديرها ..
لقد كان معاليه حربا معلنة على “التسيب الإداري”.
ماذا نقول الآن، وماذا ندع .. عن تلك القامة الشامخة في عالم الحياة، وفي عالم الإدارة والدبلوماسية والإبداع ؟ ..
ماذا نقول عن شخصية وطنية (نظيفة) كان (ثورة) في كل موقع وطأته قدماه …؟ ..
ماذا نقول عن مسؤول كان يُعوّل عليه دائما ..
وكان بصراحة (قدّها وقدود).. وكان في حقيقة الأمر (يُشكّل إضافة مذهلة) ؟ .. وبلغة أهل كرة القدم (يصنع الفارق)
حياة الدكتور القصيبي الصاخبة، ومنهجيته في العمل، وفلسفته في الإدارة، كانت وستظل (درسا بليغا) لكل مسؤول – تحديدا – إذا أراد أن يتذكره الناس كثيرا وطويلا؟.
رحمك الله يا د . غازي، بقدر ما أخلصت لوطنك.



