حب الوطن .. حنين لا ينتهي

عبدالحي إبراهيم الزهراني
حب الوطن شعور فطري جبل عليها الإنسان، وطبيعة تولد معه ولا تنفك عنه، وهو ليس مقالات ولا خطبا من بلغاء، ولا شعرًا وقصائد عصماء، وليس نشيدًا ولا أغنية، ولا لوحة فنية، وإنما هو إحساس ومشاعر وولاء وانتماء.
حب الوطن كل ما قيل، ومعها ذكرياتنا وتضحياتنا، هو مستقبلنا الواعد، ماضينا التليد وحاضرنا المجيد، فيه تعلمنا الجود والعطاء، وعلى ارضه طيب المبادرة والتضحية والنماء، حب الوطن قصة كتبها التاريخ بدماء المجاهدين وبعرق المكافحين وصبر الأوليين وبدعاء الصالحين.
ولحب الوطن في نفس الانسان منزلة عزيزة، لا يعادلها شيء آخر، مهما غلا وعز، ولأحداثه ذكرى و حنينًا لا يطاله النسيان.
روى ابن شهاب الزهري، قال: قدم أُصيل الغفاري على رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة قبل أن يضرب الحجاب، فسألته السيدة عائشة رضي الله عنها: كيف عهدت مكة؟ .. قال: عهدتها وقد اخضرت جنباتها، وابيضت بطحاؤها، وأغدق إذخرها، وانتشر سلمها، وثار أريجها.. فقاطعه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وهو يقول له في شجن ورقة: حسبك يا أصيل… لا تحزنـا.
وقال سيدنا علي كرم الله وجهه: عمرت الدنيا بحب الأوطان.
وكان هارون الرشيد يقول: إذا أردت أن تعرف مروءة الرجل، فانظر كيف تحننه إلى أوطانه وشوقه إلى إخوانه…
ولعلي استعرض بعض ما ألفه وكتبه المؤرخين والأدباء والرحالة عن حب الأوطان، واثروا المكتبات والتراث الإسلامي بذلك، فقد كتب القزويني في كتاب آثار البلاد وأخبار العباد، وقال: عن الرصافة في سوريا ومن عجيب هذه البلدة أنه ليس بها زرع ولا ضرع ولا ماء، ولا أمن ولا تجارة، ولا صنعة مرغوبة ! وأهلها يسكنونها، ولولا حب الوطن لخربت.
وكذلك ياقوت الحموي في معجم البلدان عن بلدٍ اسمها سيراف، حيث قال: ولقد رأيتُها وليس بها قوم إلا صعاليك، ما أوجب لهم المقام بها إلا حب الوطن وأيضاً الإمام ابن الخطيب في كتاب الإحاطة في اخبار غرناطة، قدَّم فيه صورة شاملة عن كل ما يتعلق بمدينة غرناطة من أوصاف وأخبار، فذكر مُرُوجَها وجبالها وأنهارها، وتغنَّى بها، فقال:
(بلدٌ تحفُّ به الرياضُ كأنَّهُ … وجهٌ جميلٌ والرياضُ عِذارُه)
وقد قال الجاحظ في رسائله: “ومِن أصدق الشواهد في حب الوطن أن يوسف عليه السلام لَمَّا أدركته الوفاة أوصى أن تحمل رمته إلى موضع مقابر أبيه وجده يعقوب وإسحاق وإبراهيم عليهم السلام، ورُوِي لنا أن أهل مصر منعوا أولياء يوسف مِن حمله، فلما بعث الله موسى عليه السلام وأهلَك على يدَيْه فرعون وغيره من الأمم، أمره أن يحمل رمته إلى تربة يعقوب بالشام، وقبره علم بأرض بيت المقدس بقرية تسمى حسامي، وكذلك يعقوب مات بمصر فحملت رمته إلى إيلياء، قرية بيت المقدس، وهناك قبر إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام.
ويذكر ابن خلدون في وقفة عن حب الأوطان وانتماء الإنسان للأرض التي ولد عليها، والناس الذين نشأ بينهم والبلاد التي تربى على مدارجها، وعايش صباه بين جنباتها وشرب من مائها، وتنفس من هوائها، هو أمر من الطبائع، ولكن التعبير عن ذلك والتمسك به والامتثال إليه هو أمر من النبالة والأصالة “
أما ما يخص الأدب و الشعر فيما قيل عن الأوطان ما نذكره هنا، على سبيل المثال:
(كم من منزل في الأرض يألفه الفتي …وحنينه أبدًا لأول منزِل)
وما أروع قول ابن الرومي:
(وحبَّب أوطانَ الرجالِ إليهمُ …مآربُ قضَّاها الشبابُ هُنالِكا)
(إذا ذكَرُوا أوطانَهم ذكَّرتْهمُ ..عهودُ الصبا فيها فحنُّوا لذالكا)
وكذلك خير الدين الزركلي قال:
(العينُ بعد فراقِها الوطنا …لا ساكنًا ألِفَتْ ولا سَكَنَا)
(ريّانةٌ بالدمعِ أقلَقَها …ألَّا تُحِسَّ كرًى ولا وَسَنَا)
وما قالته ميسون بنت بحدل، أم يزيد بن معاوية، عندما جاء بها معاوية من البدو، وأسكنها فاره قصوره، كانت تبكي وتتغنى بكوخها الصغير هناك، وتحن إلى كل ما الفته في البادية، وتقول:
لبيتٌ تخفق الأرواحُ فيه
أحبُّ إليَّ مِن قصرٍ منيفِ
ولبسُ عباءةٍ وتقرَّ عيني
أحبُّ إليَّ مِن لبسِ الشفوفِ …
إلى آخر ما قالت ….
وهذا يذكرني ببيت لشاعرة شعبية، حنت إلى قريتها، اثناء زيارتها لها بعد أن تقدم بها العمر، تقول:
سلام يا ديرت “ن” وأنا تربيت فيها
لوكنت في جنة الفردوس ما ننتسيها
كل هذا …فكيف عندما يكون هذا الوطن، المملكة العربية السعودية، منارة العلم والشرف ومهوى أفئدة العالمين، بلد النهضة الشاملة والتقدم والرخاء …دمت يا وطني شامخاً، تحمل الخفاق عالياً، مسطراً بكلمة التوحيد ـ لا إله إلا الله محمد رسول الله ـ
في الختام نسأل الله أن يبارك لنا في هذا الوطن الغالي، وأن يحفظ قادتنا الميامين، خادم الحرمين وولي عهده، – حفظهما الله – وأن يديم على بلادنا الأمن والأمان.
وكل عام وأنتم والوطن بخير وصحة وسلامة



