عبد الحي إبراهيم الغبيشي
سعدتُ هذا الأسبوع – أنا والصحفي بخيت طالع، والأديب القاص محمد جبران، بزيارة متحف الأستاذ ناصر الفيان، وهو معلمٌ بارزٌ يقع غرب الأطاولة بمنظقة الباحة، ويتربع على قمة جبلها الغربي، وله إطلالة ساحرة ملهمة، تكشف جمال المكان، يفوح منها عبق التاريخ .. وقد استمتعنا بالزيارة والجلسات المطلة، وأطلعنا على كافة أقسام المتحف، الذي صمم وفقاً لطراز المنطقة المعماري الأثري، مما أكسبه جمالًا على جمال.
يحتوي المتحف على آلاف القطع والمقتنيات الأثرية، التي تمثل جوانب الحياة في الماضي، وكل ما كان يستخدمه الآباء والاْجداد من أدوات منزلية وزراعية وصناعية، وأدوات الزينة والأسلحة والعملات والوثائق، والمخطوطات، وبعضها نادر وثمين، ومن ذلك مصحف عمره يقارب تسعمائة عام كتب بخط اليد.
والحقيقة أن “متحف الفيان” اكتسب أهمية بالغة، كونه حافظاً للموروث التاريخي والثقافي في المنطقة، بشكل لفت انباه الكثيرين، واقترح أن تُلصق على بعض معروضاته، قصاصات ورقية تعريفية بالقطعة نفسها، لتزيد من إبهار المقتنى، وتجعله ناطقًا أكثر، أمام الزوار على هيئة نبذة تعريفية مختصرة.
.
والواقع أنه شدني مثل غيري من الزوار، الكثير جدًا من المقتنيات، فبداية شدني – وأنا داخل إلى المتحف – “آلة الزّيْر”، ولعلي استأثر بالكتابة عنها دون غيرها هذه المرة، لأنها وضعت في مدخل المتحف لبث الحماس وادخال الفرحة والبهجة لزوار المتحف، وأرى أن تلك الخطوة ذكية من المتحف، ذلك لأن تلك الآلة يطرب لها الصغير والكبير، وتتراقص على أنغامها الأجساد والمشاعر.
والحقيقة أن الزّيْر وهو (الطبل الكبير) إرث شعبي قديم يصنع محلياً، في إناء أسطواني مجوف من الفخار أو الحديد، ويغطى من الأعلى بجلود الأنعام، وتشد جوانبه بحبال جلدية قُدت من الجلد نفسه.
والزير، ليس كما يظن البعض فقط أنه للعرضة والترفيه فقط، وإنما كان في الماضي وسيلة نداء لتجمّع الناس، وداعياً ونذيرًا، حيث يُضرب عليه بالمناقع، وهي أعواد صلبة مستحضرة من أشجار البيئة، ويصدر عنه أصوات عالية تسمع من بعيد، بما يسمى بـ”حنَم الزير أو تحريبه”، ولابد أن يُلبى صوت الزير من الجميع، والبعض كان لديهم “شـدّة” أي غرامات، تفرض عقوبات على من سمعه ولم يحضر.
ويذكرون في الشدة زير وعزير، وإذا قُلب الزير يتوقف الجميع، ومعنى ذلك حدث معين، كوفاة أو مشكلة.
وقد ارتبط الزير قديمًا بالحروب، وكان من عادات بعض القرى والقبائل في منطقة الباحة، عند الأخذ بالثأر والفرحة بالنصر ما يعرف “بالفوزه”، يحتفون بأخذ الثأر “الخلاص” من غريمهم، وذلك قبل أن يستتب الأمن الوارف في بلادنا بقيام الدولة السعودية الرشيدة – أعزها الله.
وكان لكل قرية زير أو أكثر يطلقون عليها أسماءً، وهذا أحد الشعراء يخاطب زير لهم اسمه “منغاش” .. ويقول:
الليله يا منغاش هشعه ونشعه
والمغربي والروم جنوب وادينا
في كل عام يرفدونك بخشعه
خشاع رؤوس القوم اللى تعادينا
ومن الأغراض التي كان يستخدم فيها الزير، اثناء القيام بالأعمال الجماعية، كطينة البيت، والعَملة، وذلك ليستعد الناس عند سماعه بالخروج، وكذلك في مناسبات الطهار “ختان الأطفال” والصلح بين القبائل، والجرّه، والمرسام، واللعب، وحفلات السمر، سواءً للرجال أو النساء.
يقول الشاعر هياس الرويبي، على طرق الهرموج:
يا زير شل الصوت وين أنت ساري … هوت نجوم الثريا
حلفت ما تمضي عليك العزاري …ورأس هياس حيا
.
وتقول إحدى الشاعرات:
يا زير بالله حن الصوت ليلك مدي .. يا لله طلبتك رد الصوت لي غامدي
وأخرى تقول :
من يوم حسيت صوت الزير بنجنه … عسى الذي ينقعه بيديه فالجنه
.
وفي الختام نشكر الأخ ناصر الفيان، على الجهود التي بذلها ويبذلها في جمع محتويات هذا المتحف الأنيق والممتع معًا، بل والثري بمقتنياته الفريدة.
وهو مما يستحق الترحال إليه، وقضاء أجمل الأوقات بين جنباته، متمنين له مزيد العون والتوفيق والنجاح.
…
المندق ـ 10 – 1 – 1445 هـ



