حكاية رونالدو .. وتفاصيلنا الخاصة

صباح فارسي
قام نجم كرة القدم البرتغالي “رونالدو” بمغامرة، تنكر في زي رجل مشرد يستعرض المهارات الكروية في إحدى ساحات العاصمة مدريد، فتجاهله الناس ورفض المارة أن يلعبوا معه الكرة التي يحبها الملايين من العالم لم يحظ رونالدو “المتنكر بلباس متسول، مع كلب صغير” بأي اهتمام من قبل المارة، على الرغم من محاولاته الحثيثة لساعة كاملة لفت انتباه الناس، من خلال اللعب معه ومداعبة الكرة، إلا أن معظم المحاولات فشلت، حتى أنه حاول الحصول على رقم هاتف من فتاة، وقوبل بالرفض.
تفاعل المارة بتوثيق الحدث بالتقاط صور للمشرد رونالدو، وهو يلعب بالكرة بمهارة، ولكنهم لم يشاركوه في اللعب. وظهرت على البعض نظرات استنكار من لعبه بالكرة، كانوا في عجلة من أمرهم لم يسمحوا لأنفسهم بدقائق للمتعة، وحتى من جارى طلبه، فعل ذلك على عجالة، الوحيد الذي تصرف بعفوية ودون قيود كان طفلًا، بدأ في تبادل الضربات بالكرة مع رونالدو وعاش اللحظة بدهشتها ومتعة اللعب الكرة، ليتفاجأ الطفل والمارة بالرجل المتشرد ينزع لحيته المستعارة، ويظهر بشخصيته الحقيقية ويوقع للطفل على الكرة.
وبمجرد أن ظهر رونالدو بوجهه الحقيقي، وأكتشف المارة أنهم أمام أحد أشهر نجوم الكرة العالميين، انقلب الحال سريعا وتجمعوا حول نجم ريال مدريد، والحاصل على لقب أفضل لاعب كرة قدم في العالم ثلاث مرات، في رفة هدب انقلب الحال، حينها فقط صار لديهم وقتًا لالتقاط الصور معه.
غادرنا عامًا وسوف يطل علينا عام، وبعد كل لحظات الصخب الحقيقي والهرج المزيف، بين رسم ابتسامة هزيلة ولمعة أمل في نجمة قد تأتي على شرفتنا، ورهبة من الغد، من بين المشاعر المتضادة التي تخيم علينا في حضور الأعياد وفي بداية الأعوام وفي نهايتها، أقول عاما قادما سعيدا لنا جميعا.
قد ينتهي العام، لكن الساعة لا زالت تدور وتدور “تك توك – تك توك” لا تتوقف وقلوبنا أيضا لا تتوقف تنبض مع دقاتها، فالعمر كله دقائق وثوان، ترمي الكرة وترتد إليك مرات ومرات، وتعرف أن الزمن يمضي، وفي الغد حين تجد نفسك وحيدًا، ستقف أمام المرآة، تنظر إلى ذلك الشاخص إليك، عبثا تحاول الفرار منه، يؤنبك على قراراتك، يسخر من تسريحة شعرك، ينظر إليك، تعرفه وتنكره، ورغم ذلك تجد نفسك مرغمًا على النظر إليه.
ترى متى فقدت الدهشة؟ هل فقدتها حينما دخلت المدرسة صغيرًا ومشاكسًا فطلبوا منك السكوت والإذعان، وفعلت
ومتى نسيت أن تحيا يومك كما تريد؟ عندما اشتريت الجهاز الأكثر ذكاء وسحبتك التقنية إليها، ولم تعد
منذ متى لم تتحدث بعفوية، وتضحك من قلبك؟ عندما طغت الرسمية على المناسبات، وصار يكفي أن تصمت وترسل وردة افتراضية، ورسالة تهنئة إلكترونية، بدل أن تتصل وتنطلق في حديث عفوي مع رفيق قديم.
متى شعرت بالغربة بينما أنت مع أهلك؟ ربما حدث ذلك حين قررت أن تتناول فطورك في غرفتك أمام شاشة الألعاب.
منذ متى فقدت اتصال الأصدقاء؟ ربما منذ صرت تتابع حساباتهم في وسائل التواصل، واستغني أحدكم عن رؤية وجه الآخر وعناقه
هكذا أصبحنا نعيش الحياة دون متعة الاسترخاء، نعيش نوبات يقظة حذرة، نتنافس في الحصول على خبر ما، نخشى أن نفقد تغريدة دون أن تمر تحت أعيننا، نخاف أن يفوتنا منشور تتوه قصة أحدهم ونكون آخر من يعلم بها، ثم ماذا لو حصل ذلك، ليكن؟
لماذا صرت تعيش حياتهم وفي الزحام تنسى حياتك. لماذا تود أن تتحقق أحلامهم ولا تبذل الجهد لتحقق حلمك، الذي يراودك من أيام المدرسة؟، لماذا صرت أنا وأنت نعرف أسماء أصدقاء الإعلاميين والمشاهير ويغيب عنا أسماء أصدقاء أبنائنا؟، تجرنا لذلك دوافع خارجية لا علاقة لها بنا. ورغم ذلك نلهث نركض نقلد ونقلد حتى ابتعدنا عن ذواتنا، فقدنا الهدوء الذاتي، لم نعد نقوى على حياكة أحلامنا ومراقبة النسيج حتى يكتمل الحلم، تغيب الصورة الكبيرة عن مخيلتنا، نركض نستجدي القشور وعلى القشور نقتات. هاربين، غاضبين، متعبين من ذواتنا القابعة في المرايا، وفي نظراتنا نظرات شاخصة لا تلوي على شيء.
يقول نيتشه: (إن السر لحصاد أعظم، وإثمار أكبر قدر من الاستمتاع في الوجود، هو بالعيش بشكل خطير! ابن مدنك على سفوح جبل (فيزوف)“
ومع غياب الهدوء فقدنا متعة الإصغاء لبعضنا البعض، كل يريد أن يثير جلبة وفوضى، كل يريد أن يُسمع صوته، ولكن لا أحد يستطيع الإصغاء، الإصغاء للآخر لأنفسنا لما يحدث حولنا ويختفي مجتمع قادر على منحك وقتا من وقته ليستمع لصوتك، ليشاركك اللعب حينا وربما الضحك أيضا، وبينما نحن منهكون نحاول أن نقلد أحدهم نرفع قدما ونسير في طريقنا الذي نجهل نهايته، نجري مرة، نتخبط مرات نقلد مشية، نحاكي رقصة، وبين هذه وتلك تتوه الخطوات؟
ماذا لو حاولت أن تتأمل ذاك الشاخص في المرايا ترى ماذا يريد منك أن تقول، أن تفعل ترى هل يريدك أن تضحك، تبكي أم ببساطة هو يريدك أن تراقب موجة تلو موجة، تنصت لحفيف الشجر، تنتبه لصوت الرعد وتسبح بحمده، تحلق مع نورس وتحط بهدوء في الماء مع جناحيه، تستنشق وردة وتدخل شذاها حد النخاع حتى تمتلئ رئتيك، تُحلق في العالم بخيالك، تحاول الطيران عاليا.
يقول نيتشه “كلما ارتفعنا إلى الأعلى، ظهرنا أصغر بالنسبة لأولئك الذين لا يستطيعون الطيران” جرب الارتفاع عن الواقع وكن من ذاتك “
ماذا لو أصغيت بعمق لصوت الذات على أنغام الطبيعة الخلابة، ربما تستطيع أن تعيد رسم لوحتك، وتعيد الحرية لروحك، لتحوم في عالم الدهشة من جديد، ربما تستعيد ذاتك وأستعيد ذاتي، وفي المرة القادمة حين يطلب مني أحدهم أن استمتع باللحظة قد أفعل وأبدأ عامًا جديدا بنظرة أكثر رحابة ومقدرة أكبر على الاصغاء.
اصغ لأغنية الكون، استعد الدهشة …؟



