مقالات

ظاهرة التسويق الأدبي في التراث.

أ.د. منى الغامدي (*)

كلنا نعلم أن قصائد الخنساء والمتنبي وأبي تمام وغيرهم من الشعراء القدماء جدا لم تكن لتخلد حتى اليوم لولا وجود عنصر آخر حفظ لها الخلود حتى اليوم غير قوة شعرهم، أو نبل عواطفهم، أو براعة تصويرهم. 

فمنذ الأدب الجاهلي ارتبط الأدب بمفهوم “السوق”، ليس مكانيا فحسب، بل امتد هذا الارتباط ليصل إلى جميع مظاهر الأدب الجمالية والاجتماعية، والسياسية، والدينية، والتداولية.

وقد عكس الأدب قيمه الجمالية والتربوية على الأسواق في الجاهلية ليعمق مفهومها التجاري ويمنحه بعدا تربويا وتثقيفيا.

كما انعكس مفهوم الأسواق على الأدب ليمنحه بعدا ترويجيا وتداوليا واسعا.

فلم يكن ضرب قباب الأدباء للمساجلات والمسابقات الشعرية في وسط الأسواق التجارية تنظيما عشوائيا واعتباطيا، بل كان لغايات تسويقية مدروسة.

فالسوق لا يشتمل على البيع والشراء وحده، بل يرتبط في دلالاته العميقة بمعنى التوجيه والإرشاد، وهو قريب جدا لمفهوم الأدب الرائج قديما، والذي كان يتضمن البعد التوجيهي والتثقيفي والتربوي.

فهذه الخنساء تنتقي سوق عكاظ لنشر مرثياتها في صخر، وتقوم بتسويم هودجها براية، فيبلغ هند بنت عتبة ما فعلته الخنساء فتشهد هي الأخرى سوق عكاظ، وتأمر بأن يقرن جملها بجمل الخنساء، وأن يُسوَّم هودجها براية كما فعلت الخنساء. فيساعد هذا السوق ببعده التنظيمي على إيصال رسالة كل أديب لأكبر عدد من الجمهور وبطريقة بالغة التأثير.

فتسويم الجمل بالراية للدلالة على عظم المصيبة، واكتساب السوق للسلطة الدينية والسياسية، واعتلاء الجمال أثناء الإنشاد والإلقاء، كل هذه الأمور جعلت من قصائد الخنساء تصل إلى شريحة كبيرة من الناس، ويبلغ تأثيرها في هند بنت عتبة فتفعل صنيعها، وتطلب أن يقترن جملها بجمل الخنساء لتحصل على التأثير نفسه.

وإذا كان تأثير الأسواق في الجاهلية على الأدب تأثيرا إيجابيا، فقد نأى الأدباء بعد ذلك بالمفاهيم التثقيفية والتربوية والدينية التي اكتسبها الأدب من السوق إلى أغراض تكسبية، فتحول الأدب بعد ذلك تدريجيا إلى سلعة تقاس قيمته بمدى قدرة الأديب/ الشاعر على إرضاء الممدوح أو النيل من شاعر أضر بإحدى القبائل، فينال بقصائده الجائزة أو المكافأة المالية.

وقد كان ابن سلام أول من تنبه إلى مسألة تحويل الأدب إلى سلعة، وذلك بتحويل مجالات تداوله وتوظيفه. فقد لمح إلى أن النابغة هو “أول من سأل بشعره”، فحوله بذلك إلى سلعة بعد أن لم يكن يطالب بتعويض على شعر الشاعر.

وفي العصر الحاضر نلحظ انتشار ظاهرة سيطرة النزعة الاستهلاكية على الأدباء، وتحكمها في تشكيل إنتاجهم الأدبي، والطريقة التي تؤثر بها على طرق نشرهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي لا سيما موقع تويتر. فرغبة الأدباء في الوصول السريع إلى الشهرة، ونشر نتاجاتهم الأدبية إلى أكبر عدد من القراء، والمكاسب المادية كل هذه الأمور حدت بهم إلى التركيز على الوسيلة لا الغاية؛ حتى أن بعضهم يسمح لبعض المؤسسات الاقتصادية والتجارية أن تستعمل نصوصه الأدبية لأغراض تسويقية؛ مما هبط بإنتاج أكثرهم، فأصبح الأدب ظاهرة استهلاكية في المقام الأول كما تحول إلى وسيلة لترويج السلع الاقتصادية والمنتجات.

ومن ناحية أخرى، نجد أن لهذه النزعات الاستهلاكية تأثيرا إيجابيا على الأدب، فنعثر على بعض المثقفين أو الأدباء الذين نجحوا في استقطاب القراء إليهم من خلال استغلال مواقع التواصل الاجتماعي في خلق رؤية جديدة للأدب، متجاوزين الأشكال الكلاسيكية القديمة ومنطلقين من ثقافة جديدة تتوسل بالصورة والصوت والوسائط الرقمية التي تساعد على خلق أجواء تسمح للمبدع أن يقترب أكثر من قرائه ومتابعيه.               

(*) أستاذ الأدب والنقد الحديث – بجامعة جدة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com