مقالات

حكايتي مع المعطاني

حسين بن صبح الغامدي

الأستاذ الأول الذي تناقلنا اسمه كطلاب مستجدين في كلية الآداب هو الدكتور عبدالله المعطاني، وكان يتم تداول اسمه بيننا كأستاذ صارم وحازم لا يرحم مستجدا ولا خريجا.. وعندما تأملت في جدولي في ثاني فصل دراسي لي في الجامعة وجدت أن إحدى موادي هو من يدرسها، الأمر الذي حدا بي أن أبذل جهدا كبيرا لأحذفها، حتى عندما ذهب إليه الوسيط يطلب منه أن يوافق على سحب المادة، قال مُطمئِنًا “خليه يستمر” ولكني أصريت بناء على ما رسمته عنه من صورة في ذهني، وللأسف كنا كطلاب نبني صورة ذهنية مبالغ فيها عن أساتذتنا.

إلا أنه ومع التقدم في المرحلة الدراسية لابد أن تدرس على يد الدكتور المعطاني، والمادة الأولى التي درستها على يده كنتُ أنزوي في طرفٍ بحيثُ لا يراني، واستمريت حتى نهاية الفصل دون أي مشاركة، فقط أردد “حاضر” عندما ينادي اسمي من ضمن قائمة الأسماء.

حتى أتى موعد الامتحان النهائي، حضرت قبل الموعد بدقائق، والدقيقة في انتظار الامتحان تعادل ساعات، خشيت أن تتبدد بعض المعلومات التي في ذهني وخاصة تلك التي ذاكرتها لأقدم فيها الامتحان فقط، وليس لأجل الاحتفاظ بالمعلومة في الذاكرة العميقة.

لا شعوريا كتبت على الطاولة، هي أربع فقرات كتبت أول كلمتين من كل فقرة كي أنظم بها أفكاري، وصادف أن مثّلت أحد أسئلة الاختبار، وانطلقت في سرده بطريقة منظمة ومرتبة، وبعد أن انتهيت من إجابة جميع الأسئلة سلمت ورقة إجابتي وغادرت.

لم أكن أعلم أن الأقدار سوف تسوق د. المعطاني ويجلس على نفس طاولتي التي كانت في المنتصف تميل إلى الطرف القريب من الباب قليلا. ثم يحدث أن يقرأ ما كُتب على الطاولة، لتثور ثائرته ويبدأ محاولة معرفة من الطالب الذي كان يجلس على تلك الطاولة؟ من هو الذي يتجرأ ويغش عند المعطاني!. بعد مراجعة وأخذ ورد وتقليب في أوراق الاختبارات التي تم تسليمها، قال: بلّغوا زميلكم (وذكر اسمي) يراجعني وإلا سوف يتم تعليق نتيجته.

عدد كبير من الزملاء أو لنقل كل من بقي في القاعة بعدي، وحتى الذين ليس بيني وبينهم معرفة، تعرفوا عليّ وبلغني بطلب الدكتور وماذا حدث بعد مغادرتي، وعشت في قلقٍ وهمٍ كبير، كانت إجازة الربيع مقبلة وقد قضيتها في غمٍ وهم، وعشت حيرة كبيرة، كنت أستشير زملائي هل أذهب أم لا! هل أعترف أم لا! تنوعت الإجابات واختلفت وكثرت النصائح المتضادة لتزيد حيرتي بدلا من أن تجد حلا لمشكلتي!.

 وقيل لي من ضمن ما قيل، إن الدكتور كان يبدو مشككا ولم يكن متأكدا أنه أنت، الأمر الذي شجعني ألا أعترف!

 في الأسبوع الأول من الفصل الثاني، كان اسمي يملأ ممرات الكلية وحيطانها، هذا وأنا الذي أتوارى بسبب طبيعتي الخجولة، وجدت تنويها مكررا معلقا في الممرات وعلى الأبواب وبجوار المصعد والسلالم يطلب مني أن أراجع رئيس القسم، وكان آنذاك المعطاني هو رئيس القسم.

توكلت على الله وذهبت، بعدما عزمت ألا أعترف، دخلت وسلّمت على الدكتور وعرّفته على اسمي، نهض من على مكتبه، اتجه إلى الباب وأغلقه، أتى وجلس بجواري وسألني…؟!

ــــــ فأنكرت..

واجهني بالأدلة!

ـــ فاعترفت..

 .. لم أكمل دقيقتين حتى اعترفت بكل شيء، وشجعني على المزيد من الكلام، وذكرت له أنني كتبت ما كتبته دون الاستناد على أي مرجع، فقط كي لا تهرب المعلومة من ذاكرتي بسبب قلق الامتحانات. واستشهدت بالملاحظة السابقة وهي أنني اكتفيت بكتابة مقدمة لكل فقرة كي أنظم بها أفكاري، وأردفت: ربما لاحظت ذلك!.

 هز رأسه موافقا ومبتسما، طمأنني وقال: دع الموضوع لي، وسأرى كيف أعالج هذه المشكلة!

ومن هنا ابتدأ فصل جديد، وشعب جديدة، ومواد مختلفة، وأساتذة آخرين، وعلاقة مختلفة مع الدكتور عبدالله الذي استمر في تدريسي مادة أخرى، لم أعد انزوي، بل أصبحت حريصا على الحضور المبكر والجلوس في مقعد متقدم، والتركيز بأعلى طاقة ممكنة.

يا إلهي، لم أكن أعلم أن متعة التركيز أضعاف متعة الخيال، كان اسم المادة: نصوص أدبية، وتناولنا فيها قصيدة الحطيئة: طاوي ثلاث، فكّكناها حرفا حرفا وشرّحناها كلمة كلمة، حفظت تلك القصيدة، أول وآخر مرة أحفظ قصيدة طويلة دون جهد، دراستها فتّحت مداركنا لأمور كثيرة، أصبحت أستشهد بها كثيرا وأطبّق نفس طريقة الدكتور في بعض دروسي، وقد أوظفها في بعض نقاشي مع أصدقائي الأدباء الذين التقيهم بين حين وآخر، كانت محاضرته تلك أشبه بورشة عمل تشريحية ولكن لنص أدبي، وكنت من ضمن المتفاعلين بل متفاعلا تمامًا مع ما يقول.

محاضرات الدكتور المعطاني تتميز بالوضوح والمباشرة ولا نجد مشقة في استيعابه، لديه قدرة في إعطاء كل درس حقه، لا يستطرد كثيرا ولا يختزل الاختزال المخل، كان يقدّم الدرس بأسلوب واضح وشيق لا يستهلك كثيرا من الوقت ولا يخل به، كان يدير وقت المحاضرة بقدرة عالية، يبدو أن المعطاني خُلِق مديرا فهو يدير كل شيء بدقة وقدرة فائقة. قبل الاختبار النهائي كنت أعيش حيرة ولا أستطيع أن أتوقع الأسئلة التي سيقدمها لنا، إلا أنني دوما اتفاجأ بأن الأسئلة في المتناول، فالمعطاني ليس تعجيزيا أبدا.

رغم أن قيمه في الحياة مرتفعة، واخلاصه شديد، صدقه وأمانته حاضرة، فلم يكن المعطاني مغرورا كما يشاع، بل كان به بعض المرونة، المرونة التي لا تخل بالقوانين والعرف والأنظمة، وحقًا بدا لي رجلا متواضعا رغم هيئته التي تعكس اعتزازه بذاته.

كانت أيام قسم اللغة العربية آنذاك خلية نحل، وشعلة من النشاط، والمناشط كانت متعددة ومتنوعة ثقافية وترفيهية، ذلك الفصل أعددنا العدة على أن يقوم القسم برحلة إلى الطائف، أساتذة وطلابا، وفعلا تمت، وكانت من الرحلات التي لا تنسى، يستحيل أنساها، فما حدث أنني ذهبت إلى رئيس القسم د. عبدالله المعطاني، وأستأذنت منه في اللحاق بهم متأخرا، وأبلغته أنني سأحضر بسيارتي وذلك لظروف عملي حيث كنتُ حينها أعمل في التلفزيون أثناء ماكنت طالبا، وافق.. وفي المحاضرة التي تليها (بعد يومين تقريبا) طلب مني أن أقابله في مكتبه، وكطلاب تمثل لنا دعوة دكتور ما في مقابلته قيمة كبيرة، فما بالك لو كان المعطاني، بعد المحاضرة كان زملائي يذكّروني: (الدكتور عبدالله المعطاني يبغاك) وكأنهم يعتقدون أنني نسيت!

كنت أهز رأسي موافقا وأشكرهم، ذهبت إلى الدكتور وقال لي يبدو أنني سأكون رفيقك في الذهاب إلى الطائف، وأردف: أنا أيضا سأضطر أن اتأخر بعض الوقت.

يا إلهي!

المعطاني بكل الصيت الذي يحمله سيكون رفيقي في الطريق إلى الطائف! الأقدار تخدمني كثيرا دون أن أتقصد ذلك، ثلاثة أيام أو أربعة تفصلني على مرافقة د. عبدالله.. وكانت جميعها تساؤلات.. كيف أحيل تلك الرحلة إلى وقت ممتع وثري.!

هيأت سيارتي، ومررت على الدكتور في الموعد وقبل ذلك اشتريت جريدة، وأعددت بعضا من الأشرطة لسماعها في الطريق. كان يسكن الدكتور في الجامعة، رحّب بي وأطلعني على مكتبته، رأيتها كبيرة وتحتوي على أمهات المجلدات، مكتبة عامرة ما شاء الله.

انطلقنا وبرفقتنا ابنه بندر، كان طفلا نبيها وأنيقا، وسألت بندر فيما لو كان سيسلك نفس توجه أبيه، أجاب الأب نيابة عن ابنه، قال: الأفضل أن يذهب إلى تخصص آخر، لا أعلم ما لذي دعا د. عبدالله ذلك الزمن أن يشير إلى بندر باتجاه مختلف، رغم أن القسم تلك الأيام مطلوب، ولكن ربما كان لدى الدكتور حساباته، وفعلا عندما أصبح بندر على أبواب الجامعة تغيرت الأمور ولم تعد اللغة العربية تخصصا مرغوبا.

في الطريق قال لي د. المعطاني: إن الأستاذ عبدالفتاح أبو مدين كاد أن يرافقنا لولا ظرف ألم به ومنعه!  كنت على وشك أن أكون رفيقا لأهم أديبين في المملكة بأكملها، لا بأس..

رحم الله أبو مدين وغفر له.

تصفح أبو بندر الجريدة وتبادلنا بعض الأحاديث الودية، استحضرنا الحداثة موضوع الساعة آنذاك، والحداثة تستدعي حضور الغذامي وقد أثنى عليه المعطاني وشهد له بخلاف ما يتداول تلك الأيام، ومن ضمن ما قاله وأكده أن الغذامي حريص على حضور الصلاة جماعة، بل وحتى على صلاة التراويح، وكنت قد اخترت من الأشرطة الوعظية اكثرها إثارة أدرت الشريط ومكثنا نسمع، كان لأحد رموز الصحوة وكان يكرر في محاضرته تلك كلمة (خفت) .. علّق د. عبدالله ساخرا ومستغربا؛ ألم يقل إنه مؤمن لماذا يخاف! ثم أستطرد أبو بندر قائلا: أنه تلقى رسالة منه ولكن لم يعرها اهتماما.

الحقيقة استغربت من ردة فعل الدكتور عبدالله لاعتقادي أنه مشجع للصحوة، ولكن كشف لي ذلك اليوم أنه يتحلى بأقصى صفات القائد، فرغم كل الجدل الذي يحدث تلك الأيام، ورغم مكانة المعطاني وأهميته لكل طرف إلا أنه وقف على الحياد، حتى في قسم اللغة العربية، استطعنا أن نصنف كثيرا من أساتذتنا ونعرف إلى أي خط اتجهوا عدا د. عبدالله المعطاني بقي محايدا قائدا، كان يقوم بدور البطولة في القسم والكليّة وربما الجامعة بأكملها، ساعدته جرأته وأناقته وقدرته على الاسترسال بالحديث والاستشهاد بأقوال الشعراء والأقوال المأثورة، أيضا كان ممتعا في حبك الحكايات الشفهية، فقد كان محط تركيزي وهو ينادي الدكتور علي البطل -رحمه الله- الذي كان برفقتنا في رحلة الطائف ليسترعي انتباهه قائلًا لا تفوتك هذه الحكاية، ثم يذكر الحكايات المحببة والمحبوكة، كان الدكتور المعطاني حينها يافعًا فلم يكن يفرق عن طلابه إلا ببضع سنين. 

التقطنا صورا لتلك الرحلة الجميلة ولا زلت أحتفظ بها، ولكنها تبعد عن متناول يدي ما يقارب الـ 400 كلم،

المهم أنه في منتصف ذلك الفصل التقيت د. عبدالله في أحد ممرات الجامعة بالقرب من الكلية سلمت عليه، وبلغني أنه استبعد السؤال الذي كانت بعضا من فقراته مكتوبة على الطاولة وقيّم لي الدرجة بناء على الإجابات الأخرى وحصلت على 75 درجة، قلت: لا بأس استاذنا الحبيب، وفي نفسي كنت أقول صداقتك أعلى تقدير.

كان التواصل مع الدكتور عبدالله المعطاني مستمرا من خلال القسم ومن خلال النادي الأدبي، عدد كبير من طلابه حضر الأمسية التي قدمها في نادي جدة الأدبي (شياطين الشعراء) كان المتحفظين يرفضون كل شيء في نادي جدة الأدبي، حتى لو لم يكن له علاقة بالحداثة، لذا وبعد الأمسية سألوني ساخرين كيفكم مع الشياطين!.

بعد تخرجنا من الجامعة كنت أزور الدكتور عبدالله في القسم وكنت التقيه دوما في أمسيات النادي، ولكن بدأت لقاءاتنا تقل شيئا فشيئا حتى أصبحت فقط أتتبع أخباره عن بعد.

قبل أكثر من عامين وجدت في النادي الأدبي كتابا للدكتور المعطاني بعنوان: التجربة الإبداعية في شعر خالد الفيصل، قرأته لأجدد العهد بأستاذي،

 والآن أتهيأ للذهاب إلى النادي الأدبي بجدة لحضور تكريمه في ثنايا ملتقى النص 20، وقعت عينيّ على فيديو تكريم له، وكان له كلمة استمعت إليها بشوق، فمنذ زمن طويل لم أستمتع بسماع حديثه، كانت كلمة ممتعة أورد فيها عبارة متداولة تقول: إن الناس ثلاثة: إنسان تحبه ولا تحترمه، وإنسان تحترمه ولا تحبه، وإنسان تحترمه وتحبه.

وحقا أنني أحبُّ أستاذي د. عبدالله المعطاني وأحترمه.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com