وإن المجدَ للصادقين

بقلم: محمد بن ربيع
يوم الثاني والعشرين من فبراير يأخذنا في كل عام إلى ذكرى اليوم الذي انتقلت فيه الجزيرة العربية من زاوية الإهمال والنسيان إلى فضاءات التاريخ مرة ثانية بعد أكثر من ألف عام من العزلة، عزلة مطبقة دخلتها جزيرة العرب بعد انتهاء العصر الراشدي مباشرة، يوم انتقلت العاصمة من المدينة المنورة إلى دمشق ثم بغداد ثم تناهبتها مدائن كثيرة من بلاد مصر إلى بلاد الأناضول.
تلك أزمنة لم تتبلور فيها معاني الدولة وما تتطلبه مسؤولياتها من خطط للتنمية ومن تقسيمات إدارية تسمح بوصول التنمية إلى كل مكان حتى وإن كانت بدرجات متفاوتة، وبابتعاد الجزيرة العربية عن عواصم الدولة الإسلامية ابتعد الاهتمام بها وفقدت نصيبها من التنمية، وظلت تبتعد وتبتعد حتى أوشكت أن تخرج من التاريخ.
إن من أبرز سمات تلك الحقبة المظلمة اضطراب الأمن الذي تفرضه الدولة القادرة عادة، وتدني التعليم الذي لا تنهض به إلا دولة تملك مقومات الحكم والإدارة، فأصبحت الجزيرة العربية دويلات صغيرة محدودة التأثير، وقبائل متناحرة لا تعني لها تنمية المجموع شيئا، حتى وإن حاولوا فالأمر فوق المحاولات الفردية العاجزة، والهدف أسمى من بقع ومساحات صغيرة متناثرة.
في يوم التأسيس رأت النور دولة فتية، دولة قوية تجمع جهات الجزيرة العربية بعد تشتت، وتنشر الأمن بقوة دولة، وتعطي الضوء الأخضر لثقة أبناء الجزيرة العربية في أنفسهم، بعد ألف عام من فقدان الهوية والدور والبعد عن الأسمى الذي يليق بالجزيرة العربية وأهلها.
قامت الدولة السعودية في دورها الأول (كما تعارف على ذلك بعض المؤرخين) ورغم تكالب الأعداء عليها، ورغم قوة العاصفة إلا أنها تمكنت من ترك بذرة حياة في تربة نجد، بذرة صالحة نقية، ما لبثت أن عادت للنمو ثانية لتؤكد للكون أن قدر الجزيرة العربية قد اختار لها مكانها اللائق بها رغم كل الظروف.
نجحت تلك البذرة الصالحة للنمو في تسليم المهمة إلى ابن نجد العظيم الملك عبد العزيز رحمه الله، البطل الذي تحمل الأمانة بصدق واقتدار فأعاد توحيد جهات الجزيرة العربية كما تمناها المؤسسون الأوائل، وأضاف أمل التحديث إلى حلم التوحيد فكانت المملكة العربية السعودية مأوى الأفئدة ومنارة الإسلام وبيت العرب.
يوم “بدينا” وضع المؤسسون الأوائل جزيرة العرب على سكة التاريخ، ويوم جاء الملك عبد العزيز اختصر سنوات العزلة المهولة بكاملها فتساوت أكتاف الأمة السعودية مع أكتاف أمم الأرض من حولنا، وها هي اليوم في عهد سلمان ومحمد بن سلمان تتجاوز الكثيرين، وكأن عزلة الألف عام لم تكن، وكأنها لم تمر على الجزيرة العربية.
في الثاني والعشرين من فبراير نتذكر المؤسسين الأوائل وكيف ارتفع بهم الهم والهمة ليرتفعوا بالجزيرة العربية مرة ثانية لتأخذ مكانها المناسب تحت الشمس، وكيف سلموا ألهم والهمة لأحفادهم الذي تحملوها بأمانة وصدق.
فصدقوا مع أجدادهم وصدقوا مع شعوبهم، وإن المجد للصادقين.



