الوسط الضار .. كيف نتعامل معه؟

أ.د. منى الغامدي (*)
لماذا حين نجد أنفسنا في وسط غير ملائم، نستمر في المكوث فيه، ونتكيف وفقا لظروفه، بينما نحن قادرون على تغييره إلى وسط أفضل، وأكثر تناسبا مع أرواحنا الجميلة؟ … هل هي سمة التعود التي جُبر الإنسان عليها حتى بات هذا الوسط المزعج جزءا لا يتجزأ من حياته اليومية؟
أم أن للشخصية دورًا كبيرًا لا يمكن إغفاله، آخذين بعين الاعتبار ما للبيئة والتربية والنشأة من إسهامات متعددة، في صقل هذه الشخصية، وترويضها على تقبل الآخر أيا كان.
أحيانا لا يكون لهذا الوسط وجود إلا لأننا سمحنا بوجوده. فنحن الذين خلقناه جراء طريقة تعاملنا مع الآخرين. فالبعض منا تجده مدفوعا لبذل روحه في سبيل إسعاد الآخرين وإرضائهم، والبعض وصل من البذل لدرجة أن أصبحت هذه العادة مرضا لا يستطيع التخلص منه.
تجده منذ صغره وهو في مقاعد الدراسة، مكرسا كل جهده ووقته لمساعدة زملائه، يجتهد في حل مشكلاتهم في الدراسة، يشرح لهم كل ما استغلق عليهم فهمه، ويشعر بأن من واجبه ذلك.
وفي الجانب الآخر نجد على العكس من ذلك؛ أعني الأشخاص الذين تعودوا على الاعتماد على الآخرين في القيام بأعمالهم نيابة عنهم. هؤلاء الأشخاص على درجة كبيرة من الذكاء والدهاء الاجتماعي. يستطيعون ببعض العبارات المنمقة أن يشعروك بأهميتك البالغة، وأنك شخص لا يستهان به، وأنك قادر على فعل ما لم يتمكنوا هم من القيام به، وإن كان فيما يقولونه الكثير من الصدق، إلا أن الهدف ليس إلا خدمةً لأغراضهم الشخصية.
لك أن تتخيل مدى تفاقم الأزمة حين تلتقيان؛ الشخصية الأولى وقد حباها الله من الإمكانات والقدرات بالشخصية الثانية التي تفتقر لبعض تلك القدرات.
ربما كان لنشأة تلك الشخصيات المعطاءة في أسرهم دور مهم في دفعهم إلى البذل والعطاء دون انتظار لمقابل. وليس من ضير أن يعطي الواحد منا ما تجود به نفسه من أعمال الخير للآخرين، وألا ينتظر نتيجة أعماله، ولكن ليس إلى الدرجة التي يقوم فيها بأعمال تفوق قدراتهم، فيظهرون أمام الآخرين على غير سجيتهم وحقيقتهم، ويتباهون ويفتخرون بنتاج ليس لهم. فيكونون مصداقا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “المتشبِّع بما لم يُعْطَ كلابس ثوْبَيْ زور”.
لن أقول عن هؤلاء الأشخاص إنهم منافقون اجتماعيا، لأنهم ليسوا كذلك، بل هم واضحون جدا وصريحون إلى أبعد حد. ولن أقول إنهم متسلقون على أكتاف الغير، هم فقط وجدوا من يمكن استغلاله وتسلقه وقد سمح لهم بذلك بكل رحابة صدر.
والأدهى والأمرُّ أنك مهما بالغت في تقديرهم فلن تحظى إلا بتجاهلهم، فحين تُعكس المواقف، وتكون أنت بحاجتهم ستفاجأ بمحاولاتهم التقليل من شأنك. يتظاهرون باهتمامهم بك وبتقديرهم لك، والواقع أن ما ستلقاه من تقدير لا يتجاوز الفتات.
عليك أن تواجه نفسك قبل كل شيء. أنت الذي سمحت لهم باقتحام عالمك، وعرضت عليهم نقاط ضعفك، ورحبت بكل طلب لمساعدة كنت تعلم يقينا أنهم لولا مساعدتك تلك لن يتمكنوا من الوصول لأهدافهم مهما بذلوا من وقت وجهد. فلا تحزن حين تجد نفسك في أبعد نقطة من دائرة اهتماماتهم، وأنهم مهما قدمت لهم من تضحيات فلن يقابلوا إحسانك إلا بالتجاهل، ويكفيك ذلك.
لا تلم إلا نفسك. تعلَّم كيف تكتفي بذاتك، أن تعشق ذاتك، أن تفكر بذاتك قبل كل شيء، فلا حاجة لإرضاء الآخرين على حساب وقتك وطاقتك لتشعر بأهميتك. لا أقول تعلم أن تقول لا، فأنت تعرف ذلك جيدا، ولكننك لن تتجرأ على الرفض. تظن أنك مسخَّر للخير، بينما أنت مسخَّر لكلِّ أحد سواك أنت.
والحقيقة أن هناك من ندين لهم بالفضل، لجمائل قدموها لنا، فهل نستطيع إلا أن نرد لهم بعض جمائلهم؟ المشكلة ليست هنا، بل حين تتحول المسألة إلى عادة لا نستطيع التخلص منها، حين تتحول إلى ممارسة تتم بطريقة لا واعية.
هنا لا بد من قمع مشاعرنا الطيبة جدا، وأن نحرص على تجهيز خطة دفاعية، فنطلب منهم بكل لطف أن يبدأوا بالتنقيب داخل ذواتهم عن قدراتهم المدفونة، وأن يبعثوها من قبورها.
هنا سنجد أن الوسط الضار الذي خلقناه لم يعد له وجود.
….
(*) أستاذ الأدب والنقد الحديث – جامعة جدة



