المقامة الواتسابية – 1

صباح فارسي
تحدث مدعي الحديث من الناس الشيخ مكناس لقرطاس عما شغل الناس، حديث خبير بعد ما صال وجال في عالم الحقائق والخيال، عن قوم من الأقوام يسهرون الليل وينامون النهار. ابتدر كلامه قائلا يا قرطاس:
- إن الأقوام ما عادت تصوم أو تقوم إلا وهم يتبعون ويتابعون ويتتبعون ثماني أشباح لم نقرأ عنها في سابق الألواح، ثمانية أوجدت من العدم، ليست منحوتة بيد البشر ورغم ذاك لا يبعد عنها النظر، هي تركيبة من الخوارزميات تعرف بعالم الافتراضيات، أما عن كبيرهم شبيه هبل فهو رسم غير ملموس لسماعة هرع لاستخدامها النفر والجماعة، يقولون مالا يفعلون، يتحدثون عن أنباء الشهب دون قراءة الكتب، مرجعهم رسالة واتسابية من صديقة افتراضية أو رسالة صوتية من مجموعة انتقائية، فيقول أحدهم مبتدئا حديثه الصباحي معك، ألم تقرأ عن ذاك في الواتساب؟! ألم يرسله لك نفر من الأصحاب؟! وحتى لا تشعر بأنك منبوذا، مطرودا، فتجيب كاذبا مرة وصادقا مرات، بل وصلتني من أمس وقبل، قبل الأمس.
حك قرطاس البشوش شعر رأسه المنكوش:
وما هو ذاك الواتساب، هل هو كتاب أغنيات مسليات؟! أو نجم يخبر عن الغيبيات؟! أو تعويذة يلجأ لها المرء ليتقي إفك الساحرات؟!
رد الفصيح مكناس باستخفاف وهو يحرك الأكتاف:
- بل هو مجرد تطبيق… تطبيق، تحمله على جهازك فيبتدئ الحريق، تظهر سماعة خضراء سحبت من الإعلام الأضواء، انتشر بين شعوب الأرض انتشار الهشيم وتعلم استخدامه العارف العليم، والتاجر الغشيم.
تساءل البشوش قرطاس باستغراب:
- واتساب، لعمري إنها للفظة هجينة، ستجر علينا عواقب وخيمة، وأحسب أنها قادمة من مجتمع ديدنه الجريمة، وأخشى لو تبعناهم… لو تبعناهم… لندخل جحر الضب، ونستقبل كل ما هب على الأرض ودب
- تبعناهم، هه هه … ههههه بل سرنا خلفهم، ولقد لجئوا لتلكم السماعة المرسومة للوصول لكل شاردة وواردة مبهمة كانت أو معلومة. وجعلوها وسيلة اتصال أصحاب الهواتف الذكية، ولقد بدأت تلك السماعة اللامعة تنتشر بين البيوت، بل سحبت سائر أطياف المجتمع في بطنها كابتلاع الحوت.
تجحظ عيني قرطاس مذهولا:
– وما عسى أن تفعل سماعة هل تغير الفكر والقناعة؟
- يبدو أنك لم تفهم يا قرطاس كيف تبدل الكون والناس، وكيف تصبح رنة التنبيهات أجمل المعزوفات، فبمجرد لمس السماعة، يفتح صندوق الرسالة، تكتب وبلمسة زر ترسل الرسائل. وقد تزف إليك رسائل الفضيلة وكثيرا ما ترسل لك أخرى ممزوجة بالرذيلة، وبدس السم في الكلام المعسول وشرح ذلك قد يطول وأنت يا صاحبي شخص ملول، قد ترسل رسالة مازحا فتصل لجارك وجار جارك وفي غضون ثوان، تصبح أنت حديث المدينة، وفي غضون ساعات تصبح تلك الحكاية حديث النسوة في المجالس، ومرجع الرجال في المحافل، ولو أرسلت نكتة سمجة فأنها والله تدور وتدور حتى تبلغ الغليان وتفور. وقد تصلك وردة منزوعة الرائحة فتفرح بها وتجامل أو ضحكة من فم فاغر، تسر خاطرك الخامل. ومنه تعرف الأخبار السارة منها والضار، تصلك الرسائل عن كل قارة وغارة، بل وقد يعلو الصيت حتى لفأرة.
قرطاس متعجبا
- ماذا لو شققت الرسالة، ماذا لو مزقتها، ماذا لو أحرقتها.
- تقصد حذفتها، يبعثها غيرك، ويحررها ألف غيرك، وتصير الرسالة حديث السعاة ونهم السادة ومبتغى الباعة،
حدق مكناس في الخواء، متمثلا أنه من النبهاء:
- وهل تكون الرسالة فقط لي من شخص لشخص بعينه.
ابتسم مكناس ابتسامة العارف الحساس بما تختلجه نفوس الناس:
- بل هناك أيضا ما يسمى بالجروبات تعني المجموعات هي جمع تأنيث ركيك لكلمة إنجليزية ولو علم بها سيبويه لدق عنقه في الحال كربا وهما على هذا المآل.
قرطاس متفائلا:
- وما المجموعات هل هم أناس يتحاورون في خيمة كبيرة أو يتدارسون تحت غيمة مطيرة.
- بل هم مجموعة ممن حملوا الواتساب فوضعوا للمجموعة أيقونة، تشرح مسماهم وتتبنى مبتغاهم
ومن تلك المجموعات أسماء ما ينشر فيها الشعراء قصائدهم فيسمونه (وادي الشعراء) وفيه يهيمون ويقولون ما لا يفعلون، ومجموعة (رفيقات متحابات) وفيها يقسمون أنهن متحابات على فعل الخيرات، أما على الخاص فتشاع النميمة وتتكاثر الغيبة وقد تصل للشتيمة إن لم تحصد الغنيمة، أما مجموعات (أولياء الأمور) ففيها ومنها تبدأ كوارث المدارس، تطاول من الأمهات يمتد للآباء، وقد ينتهي في الشرطة أو في أروقة المشفى. أما مجموعات (العمل) فهي مقدسة، إن دخلتها عليك أن تصبح على المدير وتستهل بالتهليل والتبجيل، وعليك أن تحني الرأس حتى لا تفهم أي مفردة منك أو كلمة بالعكس. ينتشر فيها الاكتئاب لكثرة ما يرسل فيها من المهام، والتعاميم اللازم، وعليك التواجد في المجموعة حتى لا يبتئس مديرك، فيطالب بفصلك وتعزيرك.
تعجب قرطاس
- ماذا لو رغبت في المغادرة من المجموعات؟
- أما الدخول فيكون بطلب معرفتك، والتحقق من أصلك وفصلك، ثم طلب بإرسال سيرتك الذاتية، لتتم الموافقة وإذا ما ولجت لعالم المجموعة رحب بك على حسب معرفتهم بك واستقبلوك بورد لا تشم له عبير وأيادي تلوح لك لكنها لا تشعرك بالتقدير، هو عالم زائف، ولكنك ترد الزيف بالزيف، وتكمل سماع أسطوانة الترحيب، ولو خالجك شعور بالخروج أقصد لو خرجت من المجموعات، تسأل الجميع لم؟ وكيف؟ وما الذي حصل؟ هل اغضبك احد؟ وإن تعذرت بمشكلة في الجوال. قالوا حسنا نتركك، ولكنك ستعود… وأردت أم لم ترد ستعود. ستعود.
فكر قرطاس:
- ماذا عن الصوت؟ هل تسمع أصوات من يخاطبك؟
- ذلك ما كان ينقصنا الرسائل الصوتية، فبمجرد أن تقول أصبحنا وأصبح الملك لله وتفتح الجوال، فتنهمر الرسائل وتسمع المشاكل بصوت رخيم، وآخر تستعيذ حين تسمعه من الشيطان الرجيم، وتأتيك رسالة من دقيقة تشتت فكرك وتكدر خاطرك، ثم تأتيك غيرها من أم ترجو البر، وثانية من صديق يحذرك من السحر، وثالثة تطالب بالاستغفار عن ذنب لم تفعله، وتهدد بالجحيم أن لن تبعث الرسالة لكل من عرفت من الأنام
رد قرطاس وهو يبل ريقه بالماء يتقي شدة اليباس:
– يبدو لي هذا الواتساب تطبيق جذاب، ورغم ما ذكرت عنه فالوصل مطلوب بيننا وبين الأصحاب لعلنا نبلغ به حظوة لدى الأحباب.
نظر له الشيخ مكناس في ذهول:
– هذا شأنك يا مخبول، ولعلك تحب أن تعرف عن البقية، فانتظر جمعة أو جمعتين. شهر أو شهرين، لعل آتيك عنهم بخبر يقين.



