عبقرية العبادات الموسمية

د. أشرف سالم
رمضانُ أقبَلَ كالترياقِ للسَقَمِ …. يُهذبُ النفسَ بالترتيلِ والصومِ
مرحى به موسمًا تهفو القلوبُ له …. في هديِ خِيرةِ من يمشي على قدمِ
يأتي الهلالُ فيوقدُ نورَ همتِنا …. رؤياه تبعثُ بالتحفيزِ للهممِ
هذا يصلي وذلك للكتاب تلا …. وذا تَصَدَّقَ ثم الواصلُ الرحمِ
هذي مواسمنا بالخير تجمعنا …. في حكمة عُظْمى من خالقٍ حَكَمِ
ما أن يهلَّ علينا الشهر الفضيل؛ إلا ونرى مساجدنا تعجُّ بالمصلين في أوقاتها الخمس؛ خاصة بصلاة الفجر؛ وتسمع أزيز صدورهم بالتسبيح والاستغفار بالليل والنهار، ونجد المصاحف على أرفف بيوت الله وبيوتنا؛ تنفض عنها الغبار وتتبادلها أكف التالين لآيات الذكر الحكيم؛ ثم يسمع المسلمون هذا الذكر صدَّاحًا بحناجر الأئمة في صلاتي التراويح والتهجد؛ فتصغي لها الآذانُ وتطمئن بها القلوب {أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}.
وهكذا يتجدد الإيمانُ في النفوس بعدما ربما اعتراه من ضعف في زحمة الدنيا وملهيات الحياة؛ وذلك مصداقًا للحديث النبوي الشريف؛ الذي ورد عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: إنَّ الإيمانَ ليَخلَقُ في جوفِ أحدِكم كما يَخْلَقُ الثوبُ، فاسأَلوا اللهَ أن يُجدِّدَ الإيمانَ في قلوبِكم (رواه الطبراني وصححه الألباني).
وهذا لعمرُ الله من عبقرية العبادات الموسمية في التشريع الإسلامي؛ التي نجد من أهم آثارها تجديد الدين وتوحيد المسلمين؛ فها هم يجتمعون على الطعام في وقتٍ واحد؛ ويتداعى الأقاربُ والأصدقاء والجيران والمعارف إلى تلك المآدب؛ فتتلاقى الوجوه المبتسمة وتتصافح الأكف الدافئة وتتبادل الدعاء الأفواه الصائمة؛ فتنشرح بذلك الصدور وتتوارى الضغائن.
ثم يأتي مسكُ الختام بيوم العيد فتجمع صلاته الآلاف متراصين بثيابهم الناصعة؛ ومتآلفين بقلوبهم الأنصع التي خرجت لتوها من مغسلة الصيام والقيام، وتعم بهجة الاحتفال والاحتفاء والتهادي والتزاور والتراحم؛ وتنشأ أجيال الأمة على هذه الطقوس التي تؤصل في نفوسهم معنى {إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}.
وانظروا إلى عيد المسلمين الأسبوعي المصغّر في يوم الجمعة؛ وتخيلوا لو أنه ليس في شريعة المسلمين خطبة الجمعة؛ فمن أين يتعلم عامةُ الناسِ أحكامُ دينهم وتفسير كتابهم وسيرة وسنة نبيهم ﷺ؛ وقصص من سبقه من الأنبياء ومن رافقه من الأصحاب؟، ثم يخرج المسلمون بجرعةٍ إيمانية عالية ونفوسٍ راقية؛ ويسودُ التآلف بين أهل الحي الواحد أو المحلة الواحدة، ويجتهد معظمهم في التزام ما سمعوه على المنبر من أحكامٍ شرعية وآدابٍ مرعية.
بل أنه حتى في الحج الذي لا يؤديه سوى ما نسبته واحد في الألف من المسلمين؛ نجد سائر الأمة محتفيةً به معتنية بمتابعة مناسكه ومشاعره؛ فهنا مهنئ لحاجٍ ذاهب وهناك مستقبلٌ لحاجٍ راجع؛ وبين هذا وذاك ملايين الداعين بأن يكون لهم النصيب في قابل المواسم؛ ثم يشارك جميعُ المسلمين الحجيجَ بأيام العيد؛ فتجمعهم الصلاة ويذبحون الأضاحي ويشاركون بها المساكين؛ ويتبعون صلواتهم بالتهليل والتكبير؛ فيسكنُ الفرحُ القلوبَ والبيوت؛ ويتجددُ الإيمان كما يتأكد معه الإحساسُ بالأمة الواحدة، وهذا هو بحق الهدف الأسمى للعبادات الموسمية؛ جمعنا الله وإياكم دائمًا على الحق والهدى.



