مقالات

المقامة الفيسبوكية – 2

صباح فارسي

جلس مكناس وعلى رأسه العمامة، وفي يده مسواك به يستاك، دون عجلة قد تورث الندامة، متكئا أمام بابه عندما أقبل قرطاس يلوح بيده فرحا، كأنما رأى أمه وأباه أو أخته وأخاه، اقترب من الشيخ مكناس وهو يلتقط أنفاسه ويعدل لباسه:

– كيف الحال يا شيخ مكناس حدثني عن الثاني، من دون تراخٍ ولا تأنٍ.

– أما عن ثاني الأشباح التي لم نسمع عنها في ماضي الألواح فهو الفيس بوك، ذاك الذي يتفضل عليك بجدار، فتظن أنك في لمح البصر غدوت من التجار، بل وأنك قد امتلكت مساحة في ذاك العالم الافتراضي، والحقيقة أنك محكوم بلوائح مارك وليس من ذلك فكاك، جدار ماله سقف ولا قرار، إن لم تزينه بمنشوراتك يوما تلو يوم سوف ينهار، سوق تعلوه زرقة تخطف الأنظار لبرهة شيئا فشيئا تصبح حرقة، هو الفيس بوك وهو مفردة لا تقبل الترجمة يفتح كل صاحب حساب دكانه، يعرض بضاعته

وفي آخر اليوم يجمع حصاده من المعجبين والمعجبات،

سأل قرطاس جدار! هل ذلك من أدب الشوارع المشاع، وهل أستطيع إكمال البناء، أعني هل أستطيع أن أقيمه فأمتلك ناطحة سحابة، تمتد من الحاسوب حتى عنان السماء

بل هو بناء ممجوج يملكه الجميع، أنشئت الحسابات ودخلوا فيه كأنهم قوم يأجوج ومأجوج، نعلق في الصبح منشورًا من كلمات، وفي نهاية اليوم أو الأسبوع، تجمع إشارات الإعجاب، وربما تنشر مقطعا غاضبا، فتحصد علامات استياء، أو ربما يروج لك بتصفيق غير مسموع فتسعد بتلك الأيادي، بل وتسمع التصفيق في أذنيك.

– قرطاس وماذا عنهن، النسوة الناعمات الجميلات هل هناك طريق لهن

يضحك الشيخ مكناس قليلًا من سذاجة قرطاس في البداية، سوف تنشئ حسابك في الفيسبوك، يطالبك بوضع صورة لك، فتجد صور لبعض الرجال بالعباءة والعقال، حتى تخاله في صورته تلك عريسا وبعضهم ينشر ما يجعلك تظنه قديسا، وآخر يظهر وجهه مبتسما وبالقرب من صورته الوسيمة رسالة لئيمة، تشير لإهمال الخاص، وتلك اشارة حكيمة من العارفين بأصول غرف المحادثة الرزينة. أما لو كانت صورة لحسناء فهي تضع صورة يقطر منها الكمال حتى ترتعش وانت تراقب الجمال، وتقضم أظافرك لصورة في تمام الدلال، والحقيقة إن سوق الفيس تربح فيه السيدات، فنحن كما تعلم قوم نحب الجمال، وترق قلوبنا لربة الحسن، حتى لو أخطأت فذنبها يا قرطاس مغفور مغفور. يكفي أن تميل علينا ميلًا، وتتعطف علينا بالقول، فذاك والله مأرب ولأجله نجول ونجول ونكتب منشور تلو منشورا. وعلى ذاك الجدار في الصباح نشرب قهوة صديقة مع أغنية فيروز، ونتعرف على كتاب قرأه أحد الأحباب وكذلك نعلق قلوبنا، وننشر ما حل بنا من الخطوب.

– قرطاس: وهل يتفاعل الناس مع المكتوب والخطوب؟

يحرك مكناس عكازه، يحفر في الرمل حفرة ثم يطمره بالرمل مرة أخرى، الكل يسعي لنيل اعجاب، والسعيد من رميت له وردة افتراضية، وقبلة حمراء تطير في الهواء، وحين تتقلد منصبًا ترسل لك التهنئات، وتحفك الزهرات، وحين تقبض يمناك تعرف خواءك، فكله افتراضي أي حين ينتهي النهار تعود من السوق بعقل مختلط، بصور المنشورات وزحف الدعايات، وجحافل الإعلانات، فبمجرد أن تهمس عن غرض تريده تسبقك إليه الدعاية تلو دعاية، حتى تحتاط فكرك بينما تقرأ السطور كما يفعل الأخطبوط، وتسير فكرك بعيدا كل البعد عن المخطوط

– يبتسم قرطاس ويقرض شفتيه، حدثني عن غرف المحادثات وهل أستطيع هناك صيد إحدى الفتيات، فنحن نحب رمي الشباك نحو المحارات وبعض الجميلات، لعلنا نفوز بالغنيمة ونفوز بزوجة ثالثة؟

يرد مكناس وهو يشرب كوبا من عرق السوس، غرفة، بل غرف، فيها من كل جنس يبدأ فيها الحوار بالأدب شهر، شهرين ثم يبتدئ الخصام، قد يصرح فيه بالحب من رجل اعتاد الجر والنصب، وقد تعطي إحداهن لأحدهم علامة فيظن أنها في الحب مستهام، فيزيد من المنشورات حتى يدمن الإعلانات وقد يمتطي إمارة الشعر ليمتلك قلبها السحر، أما لو كان عقلها خفيف فسوف تكرمه كضيف ثم تغدق عليه من الحب حتى ينتهي الحريق، فتدخل نفسها في الملامة وتعيش حياة الكرب والندامة.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com