ثقافة وفن

كلما زاد… نقص

أميمة عبد العزيز زاهد

الميلادُ والموتُ هما الحقيقتان الوحيدتان في عالمنا

وما بينهما تكمن خلاصة رحلتنا القصيرة في هذه الحياة …

ورغم قصرها إلا أنها رحلة مليئة ببحر من التجارب، ومنا من غرقت سفينته في بحر اليأس

ومنا من أبحرت في طريق الأمل

فالإنسان يولد ضعيفاً ويموت ضعيفاً، وما بين الميلاد والموت نعاني ونقلق ونخاف، نكابد ونجاهد، نسعد ونحزن، ننجح ونفشل، نُحِب ونُحَب، نُظلم ونَظلم، فتتأرجح مشاعرنا من مرحلة لأخرى، ويتبدل حالنا.

 ومن وقت لآخر تتغير نظرتنا لكل ما حولنا، فنسير في زحمة الدنيا على دروب مختلفة ومتناقضة، نتعرف ونختلط بالآخرين، ونشاركهم أفراحهم وأحزانهم والحياة تستمر.

وكلما كبرنا زادت تجاربنا وتعمقت خبراتنا، وكلما كبرنا ننسى بعض ذكرياتنا ونغفل عن بعضها. ونستفيد من القليل المتبقي منها، وهناك من يتأمل حاله فيسترجع ماضيه ولا يرى ولا يشعر بجمال ما يملكه، ولا يريد أن يستمتع به؛ لأنه يقضي لحظاته يحلم ويفكر، ويتذكر بألم وحسرة سنواته، التي عاشها، ويظل هكذا حتى يضيع عمره؛ لأنه يعيش على أطلال الماضي، ويشعر بأن صلاحيته في الحياة قد انتهت، فيكبله هذا الإحساس بالإحباط واليأس.

 وسواء شئنا أم أبينا، رضينا أم سخطنا، سيظل العمر هو الشيء الوحيد الذي كلما زاد نقص، فهذه هي سنة الله في كونه.

فما الحياة إلا حلمًا عابرًا مضت لياليه كلمح البصر،

لقد كنت في صغري أشعر بأن الحياة طويلة وثقيلة، ولكن كيف تتابع الزمن بسرعة البرق، ولم أنتبه كيف جرى عمري دون أن أشعر، أتذكر وكأن طفولتي ومراهقتي وشبابي كانت بالأمس القريب …

ولكن عندما أكرر نظرتي في المرآة، أرى وقد ارتسمت خطوط رفيعة على وجهي، وبدأت شعرات بيضاء تغزو رأسي، أتأكد أن كل ذلك هو توقيع الزمن على تفاصيلي؛ ليثبت مروره عليها، وأتيقن بأن داوم الحال من المحال وعليّ التكيف والاندماج، فالعمر الحقيقي هو ما أشعر به، وليس ما هو مدون في شهادة ميلادي؛ فأنا لا أعتبر ما وصلت إليه من عمر هو خط النهاية، بل أعتبره بداية لمرحلة جديدة.

 فلكل مرحلة طبيعتها وجمالها، إنها مرحلة الاستكانة والهدوء، مرحلة أرى فيها الحياة بمنظور مختلف، وأحمد الله أن ذاكرتي بخير، وقلبي ينبض، وما زلت قادرة على العطاء، وأشعر بجمال اللحظة التي أعيشها بين من أحبهم ويحبونني.

فالحياة جميلة في أي مرحلة لو أردنا ذلك.

وعلينا أن لا نغتال لحظات سعادتنا، ولا نستسلم لليأس والإحباط. وفي نفس الوقت لا ننسى أن لكل شيء بداية ونهاية، وألا تأخذنا ضغوط الحياة وملهياتها وملذاتها ومسؤولياتها، وننسى القوت الذي ينفعنا في اخرتنا

 “وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى”

فالموت يأتي على غفلة، بلا استئذان وبلا مقدمات وبلا إبداء الأسباب، ولا يفرق بين معافى ومريض أو بين صغير وكبير، فنحن إما حاملًا أو محمولًا “كل نفس ذائقة الموت”

لذا علينا أن نكون مستعدين – قدر المستطاع – فاستقبال الموت أفضل من الهروب منه

“أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة”

وعلينا في كل الأحوال أن نجتهد ونقوي صلتنا برب العباد ونزداد قرباً منه، وأن نسعد أنفسنا ونجاهد بكل ثقة وأمانة، من أجل الحصول على لحظات سعيدة، طالما نحن أحياء

﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ﴾

فاللهم رُدّنا إليك رداً جميلاً….

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com