مقالات

محاراتُ صباح وقواقعُ قارون 

د. أشرف سالم

أسعدنا بالأمس نبأ ترشيح رواية “همهمة المحار” لصديقتنا الأديبة المبدعة “صباح فارسي”؛ في المركز الخامس (من 14)؛ في القائمة الطويلة للروايات المرشحة لنيل جائزة “غسان كنفاني” رواية التي تنظمها وزارة الثقافة بدولة الإمارات العربية.

والحقيقة أنَّ هذا الخبر أسعدني بشكلٍ شخصي؛ لأنني تنبأت لتلك الرواية أن تبلغ هذا المبلغ وأكثر؛ عندما أهدتني إياها الأستاذة صباح، فكتبتُ لها (منذُ يناير الماضي)، “أما أنا فأتمنى وأتوقع أن أقرأ عنوان “همهمة البحار:” على رأس القوائم القصيرة؛ للجوائز الأدبية العربية والعالمية”.   

لستُ ناقدًا أدبيًا ولكني كتبتُ في قراءتي الانطباعية عن الرواية.

 منذ زمن بعيد شاركتُ في رحله سياحيه الى بحيرة قارون في محافظه الفيوم المصرية؛ البحيرة ذات المنظر الساحر، محاطة بكم هائل من القواقع الجافة؛ عدد مليوني من القواقع المتناثرة التي ما أن تطأُها قدمُك حتى تتفتت الى رمالٍ هشة؛ مما يبرز أثر الشمس والرطوبة وتعاقب الأيام على هذه القواقع.

أخبرنا مرشدنا السياحي حينها أن أهالي المنطقة يعتقدون ويزعمون أن هذه القواقع الهائلة العدد؛ هي أموال قارون؛ تحوَّلَت إلى هذا الشكل عندما خسف الله به وبداره الأرض؛ تخيلتُ حينها لو كانت هذه القصة صحيحة؛ ولو أن هذه القواقع رُدَتْ لها الحياةُ لنسألها عما شهدته من أحداثٍ بين هذا الملياردير الطاغية؛ وبين من حوله سواء من الصعاليك المنبهرين؛ أو المساكين الصابرين؛ فماذا كانت ستقول لنا تلك القواقع؟

تذكرتُ هذه القصة القابعة في أرشيف الذاكرة، وأنا أقرأُ رواية “همهمة المحار” للأستاذة “صباح فارسي”؛ هذه الروائية المتمكنة التي دفعتني للركض تحت أمطار “الدانة” خلف جمانة وخضر ودرة ومحمد ولؤلؤة؛ وجعلتني أخاف من مبروكة وأشفق على درة، وأحب جدتها وأكره أم لؤلؤة؛ وأحتقر التاجر الوغد وأتعاطف مع جمانة، وأشاركُ خضرًا حيرتَه ومحمدًا غيرتَه؛ وأتفهم تناقض مازن؛ وأعيش مع كل شخوص الرواية؛ وأتعايش مع أحداثها؛ مشدودًا بشغف لشذراتها المحبوكة مبنىً ومعنى. 

في كتاباتها تؤكد لنا صباح فارسي صدق مقولة عميد الأدباء العرب الجاحظ؛ عندما قال إن الأفكار مطروحة في الطرقات، فالقضية ليست في الأفكار وإنما فيمن يتناولها، وطريقة طرحه لها؛ ومن هنا ظهر لنا الشعراء المبرزون والأدباء المبدعون، ونحن أمام عمل ينتمي إلى هذه الفئة المبدعة في طرح صور وأحداث؛ موجودة فيما حولنا؛ ولكنها تشدنا وتبهرنا؛ عندما يتم تناولها بأسلوب أدبي بليغ، ولغة مؤثرة ومسار بديع.

فالرواية بالفعل كما قال قراؤها: تغوص في النفس البشرية بتقلباتها، وتصور المجتمع كما هو ليس كما نحلم به، اللغة التصويرية فيها آسرة، بشعريتها ودقة الوصف وتشريح الواقع، اعتمادًا على تقنيات الفضاء الرمزي، تحكي واقعًا اجتماعيًا مضطرب الهوية السلوك؛ سريع التقلب مشتت الشعور؛ تتأثر بيئته بالبحر مده وجذره؛ وهموم البحارة وكبدهم ومعاناتهم”.

 ذكرتني بعض أحداث وشخوص الرواية، بكلمات الرائع عبد الرحمن بن مساعد:

وصبري صبر بحارة بغوا في اليم محارة..

غشاهم موج كان من الغضب أغضب..

وكانوا للهلاك أقرب، لولا كثروا التسبيح.

ختاما .. وما دمنا ولجنا باب الشعر، فهذه أبياتي التي أهديتها للصديقة صباح؛ في أمسية قراءة روايتها “همهمة المحار” في مقهى “نوق” الثقافي:

سيبحرُ زورقي عبرَ البحارِ … لأسبحَ بين همهمةِ المحارِ

لعلي أقطفُ الأسرارً همسًا … وألقى الخضرَ فرَّ من الحصارِ

وأسكنُ دانةً بين الأهالي … أشاركهم معاناة الديار

وأقتنصُ اللآلئَ من صباحٍِ … لها قلمٌ جديرٌ بالفخار

ففي شذراتها ألمٌ وأملٌ …. وأسلوبٌ تفوق باقتدارِ

فمن عزفٍ لقنبوسٍ يغني … إلى همسِ القواقع بالمسارِ

جمالٌ تبحرُ الأرواحُ فيه … ومَخْرجُ للنفوس من العثارِ

فيا نوقُ احملي تلك المعاني … وسيري بالبهاءِ إلى المدارِ

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com