المخرج أم الصانع الأول؟

أ.د. منى الغامدي (*)
ربما يتفق معي الكثير لو قلت إن الإنتاج السينمائي الأمريكي وفقا لمُجْمل ما قُدِّم على مستوى العالم يُعد الأقوى من حيث مخرجيه وممثليه، والأقوى شكلا ومضمونا وتأثيرا ليس على نوع من المشاهدين أو فئة منهم، بل على كافة المشاهدين من مختلف الأعمار ومختلف الثقافات، فما السبب الذي مكن هذا الإنتاج من جذب ملايين المشاهدين حول العالم؟
لن أتحدث عن جودة الإخراج الذي تتولاه شركات رائدة وعملاقة تستخدم أعلى التقنيات في التصوير والموسيقى والمؤثرات الصوتية، ولا عن الأداء التمثيلي المتقن والمتميز والمقنع جدا بطريقة تسلب المشاهد إحساسه بالمسافة الزمنية الفاصلة بين الواقع والوهم، ولا عن حملات التسويق التي نعرف كلنا مدى تأثيرها في استقطاب المشاهدين من خلال مواقع شهيرة مثل Netflix وApple Tv وDisney وغيرها،
فكل هذه الأمور مهما بلغت جودتها فلن تكفي لتفسير قوة هذا الإنتاج وانتشاره وتحقيقه أعلى نسبة مشاهدات. فما السر الذي يقف خلف كل ذلك النجاح والعالمية؟ سأقول لكم وببساطة إنه الكاتب الذي يتوارى خلف أقنعة الممثلين فلا يكتفي بتحريكهم كدمى مطواعة لما يريد، بل تمتد خيوطه إلى المُشاهٍد الذي ينسى في غمرة اندماجه مع الأحداث من هو الصانع الحقيقي والأول لهذا العمل الإبداعي.
مسلسل “Eric” القصير؛ من إخراج “لوسي فوربس”، وإنتاج شركة SISTER، وشركة Little Chick؛ كان آخر ما شاهدتُه من مسلسلات أمريكية، وهو يعالج بطريقة درامية العلاقة المضطربة بين الابن والأب بسبب انشغال هذا الأخير بعمله، وإهماله لأسرته، وهي ثيمة تتكرر بصورة عجيبة في أكثر الإنتاج السينمائي الأمريكي مما يجعلنا نعتقد أنها تمثل أزمة اجتماعية حقيقية تعاني منها الأسرة في تلك المجتمعات.
حاول المسلسل أن يسلط الضوء على هذه المشكلة في ظل سلسلة متشابكة ومتداخلة من القضايا والظواهر، مثل ظاهرة خطف الأطفال التي كانت منتشرة في تلك الفترة، وعلاقتها بظاهرة التشرد، وفساد رجال الشرطة، حيث لا يخطر على ذهن أحد أن يكون العامل المسؤول عن فقدان الأطفال هو حاجة المشردين إلى المال، وأن مصدر المال سيكون من خلال بيع هؤلاء الأطفال للمنحرفين من ذوي النفوذ والسلطة، وأن بعض رجال الشرطة متورطون لعلمهم وتغاضيهم أو تجاهلهم لما يحدث حفاظا على وظائفهم.
غاية هذا المسلسل أن يصور كيف أن الفساد هو ناتج عن فساد آخر، فلا بد من البحث عن أصل المشكلة واستئصالها من جذورها. وكأن هناك حلقات مترابطة، كل واحدة تؤدي إلى الأخرى، فظاهرة الأطفال المفقودين هي حلقة تسبقها حلقات متتالية من الفساد، تبدأ الحلقة الأولى من البنية التحتية لمدينة نيويورك، وهي البنية الرأسمالية التي تسببت في تفاقم ظاهرة الفقر والتشرد، وتتلوها الحلقة الثانية، وهي حملات التنظيف الفاشلة التي كان يشنها حاكم الولاية بغرض القضاء على ظاهرة التشرد،
بينما كانت تحمل أهدافا أخرى توسعية، تسعى إلى الاستفادة من المناطق التي كانوا ينتشرون فيها، فتسهم هذه الحملات في زيادة انتشار الظاهرة بدلا من القضاء عليها. ثم تأتي الحلقة الثالثة، وهي الانحراف الأخلاقي المنتشر في الطبقات الثرية، فيقوم المشردون الذين هم بأمس الحاجة إلى المال بتلبية رغبات هذه الفئة عن طريق خطف الأطفال وبيعهم لهم، ثم تأتي الحلقة الأخيرة والمدمرة، وهي تغاضي رجال الشرطة عما يحدث لخوفهم من بطش الطبقة الثرية.
وقد أثار هذا المسلسل لدي عددا من الملاحظات من أهمها أن أكثر المسلسلات الناجحة تكون غالبا مبنية إما على قصة حقيقية ولذلك تكون مقنعة وقريبة من المشاهد، أو مبنية على روايات ذات قيمة اجتماعية وفنية عالية، فكاتبة المسلسل “آبي مورغان” عاشت طفولتها في منتصف الثمانينات في نيويورك؛ المدينة التي كانت تعج بالمشردين آنذاك، وتغرق في مستنقعات الرذيلة، وتخوض مع حكوماتها صراعا من أجل التغيير ومكافحة الفساد.
من هذه التجربة التي عاشتها الكاتبة استطاعت أن تستلهم فكرة المسلسل وأحداثه، وتخرج لنا بعمل محكم لا من حيث الأفكار التي يعالجها، ولا من حيث النصوص العميقة التي كتبت باحترافية عالية؛ فهو عمل على درجة كبيرة من العمق الفكري والأصالة والإبداع. مثل هذه الأعمال التي تنتج عن واقع معاش سواء من قبل شخوص الرواية أو من قبل الكاتب نفسه، لابد أن يكون تجسيدها عبر الأفلام أو المسلسلات ناجحا ومقنعا إلى حد كبير.
وعلى هذا الأساس، أي وفقا للأهمية التي يشكلها كاتب النص؛ يبذل مخرجو الأفلام ومنتجوها في أمريكا جهدا مضاعفا لرعاية هذا الكاتب. وتتنوع طرق هذه الرعاية والاهتمام كمشاركته لكل جزء يكتبه في عمله، ونقاشه حولها، وتزويده بمقترحات تطويرية، أو تزويده بكُتَّاب آخرين يشاركونه كتابة العمل أو يساعدونه على تطوير الشخصيات والأحداث،
كما قد يعنى بعض هؤلاء المخرجين بتوفير بيئة عمل إيجابية للكاتب داعمة ومحفزة لصناعة أفكاره الإبداعية، كتزويده بتذاكر سفر إلى مناطق تتمتع بطبيعتها الجميلة، وفي الوقت نفسه تتميز بانعزالها وبعدها عن المدينة وضوضائها وكل ما قد يتسبب في انقطاعه عن الكتابة، وتوفير مكان ملائم للإقامة فيها مزوَّد بكل سبل الراحة، وقد يصل الأمر أحيانا إلى مشاركته مشاكله الاجتماعية أو النفسية وتقييمها، والعمل على حلها.
بمقارنة سريعة بين السينما العربية والأمريكية، سيتفق الجميع على قصور السينما العربية وعجزها عن مواكبة التطور الهائل الذي وصلت إليه السينما الأمريكية. ولا بد أن نجيب قبل البحث عن أسباب هذا العجز في ضعف الإخراج، أو ضعف الممثلين، أو ضعف الموارد، او الافتقار إلى التقنية الحديثة، عن سؤال غاية في الأهمية:
هل ثمة لدينا كُتَّاب قادرن على كتابة نصوص عميقة، تمس مشاكلنا المجتمعية مباشرة، وتعالج أهم القضايا لدينا بحوارات هادفة وبناءة ومنطقية، وباحترافية عالية في الطرح؟
وإن كان الجواب بـ “لا” على العموم، فلماذا لا يوجد؟
…..
(*) أستاذ الأدب والنقد الحديث – جامعة جدة



