مقالات

الصدق الفني والصدق الأخلاقي

مصطفى لغتيري (*)

الصدق الفني والصدق الأخلاقي ويلاحظ أن القراء ذوي المرجعية المحافظة غالبا ما يحاكمون الأدب محاكمة أخلاقية ،مطالبين إياه بالتعبير عن تصور معين للأدب، يلتزم بالأبعاد الأخلاقية كما هي متعارف عليها، وكما روجت لها الأديان وبعض الإيديولوجيات السيارة، وهم –غالبا- ما ينطلقون من تصور للأدب، يعاني من خلط واضح في المفاهيم.

إذ أنهم يركزون في تعريفهم له على المعنى اللفظي لكلمة” أدب”، التي غالبا ما تحيل على التربية والأخلاق، فيما يغضون الطرف – بقصد أو بغيره- عن المعنى الاصطلاحي للكلمة، الذي يتفق جل المنظرين على أنه -أي الأدب- فن من الفنون الجميلة، الذي يتخذ من اللغة و الخيال أهم وسيلتين للتعبير من خلالهما عن ماهية الإنسان وتطلعاته وهمومه الكبيرة والصغيرة، أي كل ما يحدث للإنسان على وجه البسيطة .

الأديب غير ملزم بالصدق الأخلاقي، وإذا ألزمناه بذلك، وضعناه ووضعنا أنفسنا في مواقف حرجة، فمثلا عندما يصور أديب رجلا بجناحين، وجده سكان بيت ما ملقى صباحًا في حوشهم، واعتبره الناس ملاكًا سقط من السماء، كما فعل غابرييل غارسيا ماركيز في إحدى قصصه، فهل نحكم على الأديب انطلاقا من ذلك بأنه يكذب، لأنه جانب الحقيقة، وقال كلامًا يخالف ما تعارف الناس عليه.

إذن فللأدب منطقه الخاص، الذي يفرض علينا محاكمته بقوانينه، والأديب مطالب بالصدق الفني في عمله، بدل الصدق الأخلاقي، فمثلا حينما يصور الأديب امرأة غير سوية، وهي شخصية لها مثيلاتها في الواقع، فإنه يتعين عليه أن يصفها بما هي عليه، وينطقها بما يمكن أن تنطق به في حياتها، وإلا خان نفسه وأدبه وقراءه، وانتفت عن أدبه صفة الصدق الفني.

لكل ذلك ولغيره، فمن الأجدى أن يضع القارئ حدودا ما بين عقائده وبين الأدب الذي يقرأه، وقديما وعى الأسلاف هذه القاعدة بعمق، فأطلقوا قولهم المأثور “أعذب الشعر أكذبه”، وأردفوه بقول آخر مفاده أنه يسمح للشاعر، ومعه الأديب بصفة عامة، ما لا يسمح لغيره.

…….

(*) كاتب وأديب مغربي

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com